إذا ما كان لدى امرؤٍ ما تساؤلات حول ما يخطط له الرأسماليون في مجال الصحة – السلعة، فإن النقاش الكاشف الذي جرى في المنتدى الاقتصادي العالمي لهذا العام يُقدّم إجابة عليها. حيث كان موضوع النقاش: «كيف يُمكننا الاستثمار بنحو أفضل في البشر؟ الرعاية الصحية: أهي تكلفة أم استثمار؟». هذا و لم يراعي ممثلو الشركات الاحتكارية العملاقة والأكاديميون والمسؤولون الحكوميون الذرائع، بل كشفوا بوضوحٍ مُرعبٍ عن خططهم المُناهضة للشعب، على خلفية اقتصاد الحرب.
حيث أوضح ميشيل ديمار، رئيس مجلس إدارة شركة "أسترازينيكا"، أن الصحة تشكِّلُ "استثماراً" للطبقة البرجوازية، وأنها تُقاس بـ"عائدها" في الإنتاج الرأسمالي: «إذا استثمرنا في الصحة، سيمتلكُ البشر وقاية أفضل، وسيتعافون بنحو أسرع. انخفاضٌ في حالات دخول المستشفيات، وزيادةٌ في الإنتاجية، وانخفاضٌ في الإجازات المرضية». ماذا يعني بذلك؟ إن الرأسمالية تريد أن يكون العامل بصحةٍ جيدةٍ لدرجةٍ تُمكنه من إعادة إنتاج قوة عمله لإنتاج فائض القيمة. هناك "يستثمر" رأس المال ودولته، حيث يتعاملان مع نظام الصحة العامة بمعايير التكلفة والفائدة، على حساب الإمكانيات الموجودة اليوم لإرضاء الحاجات الشعبية.
لقد أصبحت الصحة مسألة "تزييت" لآلة ضمان بقاء القوى العاملة "وظيفية" باستخدام "مُقوِّم" بدائي طالما احتاج صاحب العمل إليها. هذا و أكد بيرند مونتاغ من شركة "سيمنز هيلثينيرز" هذا الأمر قائلاً: «إن الهدف هو الحفاظ على صحة المواطنين ليكونوا منتجين». وشددت وزيرة الصحة الألمانية، نينا فاركن، على أن «النظام الصحي الجيد يكلف مالاً»، ولكنه «يُعد أيضاً استثماراً في الحفاظ على صحة المواطنين وبالتالي على قدرتهم على العمل». وأقرت بوقاحة بهدف تجنب «الرعاية طويلة الأمد لكبار السن»، وبعد تحليل جوانب مختلفة تتعلق بـ «موازنة النفقات والإيرادات»، قالت بفجاجة: «إننا نستعد للمستقبل والأزمات القادمة، حتى نتمكن من تأمين الإمدادات في ظروف الحرب».
بمعنى آخر، بينما يموت المرضى في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي بسبب الحاجة إلى جراحة أو فحص، وبينما يواجه الطاقم الطبي والتمريضي الإرهاق والنقص الحاد يومياً، تخطط أركانُ الاتحاد الأوروبي لكيفية توظيف الهياكل الصحية وصناعة الأدوية وصناعة المعدات الطبية لخدمة المزاحمات والحروب الإمبريالية، و لكيفية تحمل الهياكل الصحية أمام المذبحة الجديدة التي يعدون لها. وبنفس الشراسة التي يريدون بها "وقوف العامل على قدميه" لكي يشغل آلات الربح، يريدونه في الغد من أجل "تزييت" آلات حربهم...
خلال كلمته في المنتدى، ربط رئيس مجلس إدارة شركة أسترازينيكا بين «الاستثمارات" في "الدفاع» والاستثمارات في الصحة، مؤكداً على ضرورة كليهما «لفتح المجال أمام المستثمرين». ورداً على سؤال ذي صلة، أوضح أن على الحكومات المساهمة في «جذب الاستثمارات الطبية» من أجل «رؤية طويلة الأجل»، مؤكداً على هدف توفير منفذ مربح لرؤوس الأموال المتراكمة. ثمّ تولّت "سونيتا ريدي"، مديرة سلسلة مستشفيات خاصة، زمام الكلام حيث "شجعت" الحكومات بجسارة كبيرة على وضع هدف يتمثل في «تغطية 100%" من "تكلفة" الرعاية الصحية "بالتأمين». أي أن يدفع المواطنون من جيوبهم التكلفة عبر إسهامات الضمان الاجتماعي أو التأمين الخاص.
وفي الختام، أعربت ستيفاني ستانتشيفا، أستاذة في جامعة هارفارد، عن قلقها إزاء "انهيار الثقة" بين الشعوب والحكومات، "خاصة منذ الوباء"، نتيجة عجز الأنظمة الصحية المنهارة عن التجاوب مع الاحتياجات المتزايدة، مما أدى إلى وفاة آلاف المرضى الذين كان من الممكن إنقاذهم.
إن كلام هؤلاء يُظهرُ الوقاحة التي يتعامل بها رأس المال مع صحة العمال، بل و مع صحة الشعب إجمالاً. و يؤكد أن بذات مقدار كون الربح معياراً لِتنظيم الاقتصاد، ستتسعُ الفجوة بين الإمكانيات التي يوفرها تطور العلم والتكنولوجيا، و بين الواقع البائس الذي يعيشه الشعبُ اليوم حيث تُعتبر الصحة سلعة. هذا وتُفنّد التجربة التاريخية للاتحاد السوفييتي والبلدان التي بُنيت فيها الاشتراكية روايتهم القائلة بأنه لا سبيل آخر أمام الشعوب.
فهناك، كانت الصحة منفعة اجتماعية فعلية، عامة ومجانية للجميع، مع التركيز على الوقاية، من المهد إلى الشيخوخة. و فوق هذه اﻷرضية بالضبط، جرى تسخيرُ العلم والتكنولوجيا لعلاج الأمراض التي كانت متفشية آنذاك، بل للقضاء عليها. هذا و كان أناسٌ من العالم الرأسمالي قد لجأوا إلى بلدان الاشتراكية بحثاً عن العلاج، لأنه لم يكن متوفراً في بلدانهم أو باهظ الثمن. هذا و لم تُثبت الاشتراكية التي عرفناها تفوقها في هذا المجال فحسب، بل أثبتت أيضاً الآفاق التي تُفتح أمام الشعوب، بفضل الإنجازات العلمية الحديثة، عندما تُمسك الشعوب بزمام الأمور
