و على الرغم من ذلك، وإلى جانب الرؤية المذكورة التي تنميها القوى السياسية المهيمنة الأوروأطلسية، توجد أيضاً زمرة انتهازية تتخيّل "محوراً مناهضاً للإمبريالية" مفترضاً، تصوغهُ بعض الحكومات البرجوازية. و ضمن محاولتها لتوثيق هذه الأوهام، من أجل دفع الشعوب نحو إدارة "أفضل" مزعومة للرأسمالية، أو حتى نحو دعم الجانب الآخر من المزاحمة الإمبريالية، أي للمحور الأورآسيوي المتواجد قيد التشكُّل، تلجأ هذه القوى إلى تموضعات منافية للتاريخ.
وهكذا، يزعم مانو بينيدا، العضو السابق في البرلمان الأوروبي عن الحزب الشيوعي الإسباني والرئيس الحالي للعلاقات الدولية ﻠ"اليسار الموحد"، في مقال له، أن «فنزويلا ببساطة تقوم بشيء مماثل لـ"معاهدة بريست ليتوفسك"، التي وقعها لينين عام 1918 مع الإمبراطورية الألمانية، و لاتفاقية مولوتوف - ريبنتروب، التي وقعها ستالين عام 1939 مع ألمانيا النازية»، أي ﺒ"تنازلات تكتيكية ضد خصم متفوق، والتي يمكن أن تكون مفتاح كسب للوقت و لتوطيد مشروع تاريخي[3]".
و للقراء الأصغر سناً، نود التوضيح أنه بموجب معاهدة بريست ليتوفسك، انسحبت روسيا السوفيتية الفتية رسمياً من الحرب العالمية الأولى في آذار\مارس 1918، موقعة اتفاقية مؤلمة مع الإمبراطورية الألمانية والنمسا-المجر. أسفرت هذه الاتفاقية عن خسارة أراضٍ شاسعة، كجزء كبير من أوكرانيا و بلدان البلطيق، ومنحت السلطة السوفييتية الوقت اللازم لتوطيد سلطتها، ثم انهارت الاتفاقية بعد بضعة أشهر في تشرين الثاني\ نوفمبر 1918، مما أدى إلى استعادة روسيا السوفيتية، ثم الاتحاد السوفييتي بعد عام 1922 لهذه الأراضي تدريجياً حتى عام 1940. كما و مكّن اتفاق مولوتوف - ريبنتروب (آب\أغسطس 1939) الاتحاد السوفييتي من كسب 22 شهراً للاستعداد لمواجهة العدوان الإمبريالي الموشك.
و على الرغم من ذلك، ما علاقة هاتين الاتفاقيتين بالتطورات الحالية في فنزويلا؟ كيف يُمكن إجراء مقارنات مماثلة منافية للتاريخ في وقت تتزايد فيه الأدلة على تورط قيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم و كوادر قيادية في الحكومة الفنزويلية في العملية العسكرية الأمريكية التي اختطفت فيها الولايات المتحدة رئيس البلاد وزوجته، مما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا، من بينهم 32 مقاتل كوبي كانوا يؤدون واجبهم الوطني والأممي؟
و لُيُسجَّل هنا أن الدفاع الجوي الفنزويلي كان مستنداً إلى "قبة" روسية المنشأ، يُفترض أنها منيعة و مزودة بأنظمة وطائرات، من بينها منظومات S-300V المضادة للطائرات القادرة على ضرب أهداف من مسافة 200 كيلومتر، ومنظومة 12 BUK-M2E متوسطة يصل مداها اﻠ 140 كيلومتراً و21 طائرة سوخوي-30 تحمل صواريخ Kh-31A ، قادرة على ضرب السفن من مسافة بعيدة بسرعة تفوق سرعة الصوت بثلاثة أضعاف (ماخ 3+). إضافةً إلى ذلك، امتلك الدفاع فنزويلا الجوي العديد من منظومات الدفاع الجوي المحمولة قصيرة المدى، بما فيها 5000 صاروخ Igla-S روسي الصنع (...) لم يُطلق أي من هذه المنظومات أي رصاصة، ولا صاروخ واحد "صيانة للكرامة". و ذلك حتى عندما ظهرت المروحيات الأمريكية فوق كاراكاس، حيث لم تُشتبك حتى المئات من المدافع الرشاشة الموجودة (...) و بقي الجيش متردداً حتى اللحظة الأخيرة، ينتظر أوامر من "القيادة العليا"، هي التي لم تأتِ قط. حيث خان بعض القادة السياسيين والعسكريين مادورو و بلادهم. فقد صرَّح الأمريكيون أنهم «كانوا على تواصلٍ طويل الأمد بكادرٍ حكومي رفيع المستوى[4]».
هذا و تؤكد التطورات التي تلت التدخل الإمبريالي في فنزويلا دور الاشتراكية الديمقراطية الحاكمة، الآثم. ومع ذلك، فإن قوى الانتهازية، التي تُصرُّ على ترويج أسطورة ما يُسمى "الاشتراكية البوليفارية"، تُواصل مقارناتها المنافية للتاريخ، المذكورة أعلاه.
و لحسن الحظ إذن، فقد لم يُخبرنا الشيوعي الأوروبي من "اليسار الموحد" الإسباني، ضمن "هوسه" الرامي إلى تخليص القيادة الاشتراكية الديمقراطية في فنزويلا من مساوماتها مع الإمبرياليين الأمريكيين و من وصمة الخيانة، أن لينين و ستالين كانا قد جرّا مكبلين بالأغلال إلى السجون الألمانية بموجب معاهدة بريست ليتوفسك واتفاقية مولوتوف - ريبنتروب، كما حدث هذا العام مع مادورو، الذي وجد نفسه في السجون الأمريكية...
إن جوهر محاولتهم بهذا اﻷسلوب هو سعيهم نحو إنقاذ الأوهام التي زرعوها على مدى العقود الماضية. أوهامٌ يُفيدُ زعمها بإمكانية بناء "اشتراكية القرن اﻠ21" عبر انتخابات واستفتاءات برجوازية، دون تفكيك آلة الدولة البرجوازية و الإطاحة بها، ودون قيام مؤسسات ثورية جديدة للسلطة، ودون التملُّكِ الاجتماعي لوسائل الإنتاج، هي اشتراكية لا تمتّ بصلة إلى ثورة أكتوبر ولا إلى بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي.