خبث يوناني تجاه الرغبة الروسية
لم تخفِ مختلفُ وسائل الإعلام البرجوازية في بلادنا ارتياحها، إلى جانب جرعة من السخرية ذات الصلة، إزاء التصريح الأخير المثير للغضب الذي أدلى به غينادي زيوغانوف، رئيس اللجنة المركزية للحزب الشيوعي للاتحاد الروسي، والذي أعلن من منبر البرلمان الروسي أن من الواجب تجنب 1917 جديد، أي تجنُّب وقوع ثورة جديدة.
و في محاولةٍ لإعادة صياغة ما انتشر على العلن، قام المكتب الإعلامي للحزب الشيوعي للاتحاد الروسي أيضاً بإضافة كلمة "شباط\فبراير" ونشر المقتطف التالي من خطاب الرئيس، والذي يختلف عن المقتطف المسجل بصيغة فيديو، في هذه النقطة:
«لقد دعا الرئيس بوتين الحكومة مؤخراً للإنعقاد. لم أشهد اجتماعاً بائساًو مقلقاً كهذا منذ زمن طويل. كان من المفترض أن يسمع منكم، أنتم ممثلي الحزب الحاكم، و لمرة أخرى سبب عودتنا إلى أزمة اقتصادية وإنتاجية. لكنه لم يسمع إجابة واضحة على هذا السؤال. وقد حذرناكم مراراً وتكراراً: بهذا المسار، سينهار الاقتصاد حتماً. اتسمَ الربع الأول من العام بانخفاض واضح. ولا يعتقد أي خبير جاد اليوم أنه سيتم تحقيق نمو، ولو رمزي، بحلول نهاية العام. الجميع يُعلن عن ركود تضخمي وركود اقتصادي. إذا لم تتخذوا على الفور الإجراءات اللازمة المالية والاقتصادية وغيرها، إذا لم تُصححوا المسار جذريا، فقد نواجه في الخريف ما حدث في شباط\فبراير 1917. ليس لنا الحق في تكرار ذلك! و بالتالي، يجب أن نأخذ في الاعتبار التجربة التاريخية و أن نتخذ قرارات تأخر إقرارها منذ وقت مضى».
و كما هو معلوم، في شباط\فبراير 1917، اندلعت الثورة البرجوازية الديمقراطية في روسيا، والتي كانت قد أطاحت بالقيصر، وفي أكتوبر من العام نفسه، اندلعت ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى.
هذا و صُوِّر موقف رئيس الحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية على أنه أمر غير مسبوق، من قِبَل بعض وسائل الإعلام البرجوازية اليونانية، في حين أن من المعروف أن هذا الحزب تحديداً كان قدأثبت منذ عدةسنوات اندماجه في النظام البرجوازي، مُعلناً أن زمن الثورات قد ولى، بل إنه يُعلن بنحو موصوف أن "هوامش الثورات قد تم تجاوزها"، مع صياغته برنامجاً برلمانياً يتضمن عدة "مراحل" إصلاحية نحو الاشتراكية، سينفذ من خلال حكومات "وطنية" و حكومات "يسار الوسط".
إن ممثلي الصحف البرجوازية، الذين سخروا بخبث من هذا التصريح غير المسموح، هم بذاتهم أولئك الذين يرحبون بحظر الحزب الشيوعي في أوكرانيا أو يلتزمون الصمت حياله و حيال ما يجري في بلدان البلطيق الأعضاء الاتحاد الأوروبي، وغير ذلك من تدابير تقييد عمل الشيوعيين في العديد من بلدان أوروبا، كجمهورية التشيك وبولندا وسلوفاكيا والمجر وغيرها. وهم بعينهم هم الذين يرغبون في وجود نسخة من الحزب الشيوعي للاتحاد الروسي في بلادنا، لكي يصطفَّ مع خيارات طبقة البلاد البرجوازية، ليكون بمثابة "عكاز" لترويج تدابير مناهضة للشعب.
من الموصوف أن رئيس الحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية، أسند في خطابه مجدداً الغزو الروسي غير المقبول لأوكرانيا والحرب الإمبريالية، "مبرئاً" الطبقة البرجوازية للبلاد من مسؤولياتها، وملقياً باللوم حصراً على «حلف شمال الأطلسي والأنغلوساكسونيين، الذين يشنون حرباً ضد العالم الروسي والحضارة الروسية». بالإضافة إلى ذلك، أقسم بالولاء و الخضوع لرئيس البلاد، فلاديمير بوتين، مسجلاً أن الحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية «يفعل ما بوسعه من أجل دعم بوتين واستراتيجيته وسياساته».
و ليُقال الحق، كان قد تطرَّق في كلمته أيضاً إلى "الخدمات" التي قدمها الحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية في أوقات اهتز فيها النظام البرجوازي في روسيا، مع ذكره أمثلة عديدة، كمشاركة الحزب في "حكومة يسار الوسط برئاسة بريماكوف وماسليوكوف و غيراشينكو" (أيلول\سبتمبر 1998 - أيار\مايو 1999، أثناء رئاسة يلتسين)، والتي أخرجت البلاد من الأزمة الرأسمالية، و ألقت أوزارها على الشرائح العمالية الشعبية.
هذا و أعرب غينادي زيوغانوف أيضاً عن استعداده للمشاركة مجدداً في حكومة "يسار وسط" برجوازية مماثلة مصرحاً: «إن برنامجنا جاهز. لقد أتممنا إعداد ميزانية التنمية. وتمت صياغة مشاريع قوانيننا المتعلقة بتأميم المواد الباطنية و الأولية والموارد الاستراتيجية. ما من مناص من اعتمادها، مهما بلغت مقاومة الطغمة».
و بعبارة أخرى، فقد اقترح مرة أخرى "مزيجاً" كينزياً لإدارة الرأسمالية، على غرار ما تقوم به الاشتراكية الديمقراطية المذنبة في معظم أنحاء العالم، وكذلك أيضاً الأحزاب البرجوازية، وقت استنفاذها "الأدوية" الأخرى للاقتصاد الرأسمالي.
و في مواجهة هذه السياسة العقيمة لإدارة بربرية الرأسمالية، وما يُزعم بشأن أنسنتها، تتموضعُ أحزاب شيوعية، كانت قد رسمت استراتيجية ثورية، منها الحزب الشيوعي اليوناني، وتسعى إلى التجاوب مع المهمة التي يفرضها عصرنا، مهمة الانتقال الثوري من الرأسمالية إلى الاشتراكية، التي ستلغي استغلال الإنسان للإنسان و المآزق الاجتماعية للرأسمالية، كالبطالة والحرب، بعد فرض الاستملاك الاجتماعي لِوسائل الإنتاج و تطبيق تخطيط علمي مركزي و رقابة عمالية، و وضع إرضاء الحاجات العصرية للعمال و الشعب في المقام الأول بدلاً من الربح.
تعليق نشرته صحيفة "ريزوسباستيس" اليومية، لسان حال اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اليوناني، بتاريخ 24\4\2026
