Skip to content

بلاغُ اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اليوناني بمناسبة الذكرى اﻠ80 لبداية ملحمة جيش اليونان الديمقراطي

Date:
يوليو ١٠, ٢٠٢٦
diakiriksi_arabic

نُكرِّمُ نحن في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اليوناني والحزب والشبيبة الشيوعية اليونانية هذا العام، الذكرى اﻠ80 لتأسيس جيش اليونان الديمقراطي.

كان عام 1946، هو العام الذي وقعت فيه أحداث هامة، ترتبط ارتباطا وثيقا بتأسيس جيش اليوناني الديمقراطي، مثل:

  • انعقاد اجتماع الجلسة العامة الثانية للجنة المركزية لحزب الشيوعي اليوناني (12-15شباط/فبراير 1946) الذي أجري بعد مرور عام بالضبط، على توقيع اتفاق ﭬاركيزا (12شباط/فبراير1945).
  • اجتماع الجلسة العامة الثانية، الذي أقرَّ حتى و عِبر تناقضات تخللته و تأخير، مباشرة الكفاح المسلح.
  • هجوم جماعة متمردين على محطة الدرك في ليتوخورو، في ليلة 30-31آذار/مارس، 1946، يوم إجراء الانتخابات البرلمانية.
  • تأسيس القيادة العليا لحرب المتمردين (28 تشرين الأول/أكتوبر 1946)، والذي هو في الأساس تاريخ تأسيس جيش اليونان الديمقراطي.
  • اعتماد تسميته الرسمية يوم 27 كانون الأول/ديسمبر 1946، عبر إصدار أمر من القيادة العليا للمتمردين، الذي حدد "تسمية قوات المتمردين: جيش اليونان الديمقراطي".

الظروف الراهنة لخوض الصراع الطبقي

تلاقي الذكرى الثمانين الحزب الشيوعي اليوناني حيث يخوض نضاله بثبات وحزم من أجل مصالح الطبقة العاملة، والمزارعين المكافحين من أجل البقاء و العاملين لحسابهم الخاص في المدن، ونساء وشباب اﻷسر العمالية الشعبية، من أجل إعادة تشكيل الحركة العمالية الشعبية وتشكيل التحالف الاجتماعي، وتنظيم الصراع بهدف التخلُّص من سلطة الاستغلال الرأسمالي و امتلاك سلطة العمال، الاشتراكية - الشيوعية. هذا هو الطريقُ الواقعي الوحيد من أجل صدّ موجة الإجراءات المعادية للشعب التي تُخبئها السياسة التي يحفزها الربح الرأسمالي، واقتصاد الحرب، والتورط في الحروب الإمبريالية.

هذا و يتفاقم اليوم موضوعياً، التناقض الأساسي بين رأس المال والعمل، وتتسع الهوة بين ثروة الاحتكارات و وضع القوى  العمالية الشعبية المنتجة للثروة. و يتعزز اتجاهُ نحو الإفقار النسبي و المطلق للطبقة العاملة، بأشكال قديمة وجديدة، اعتباراً من  العمل الموسمي والجزئي، و حتى العمل المؤقت والبطالة طويلة الأجل، وصولاً إلى يوم عمل  قد يصل إلى 13 ساعة. ويصوغ الذكاء الاصطناعي مع الإنجازات العلمية الأخرى قيوداً جديدة ضد القوى العمالية الشعبية، مبقية إياها خاضعة للملكية الرأسمالية، في حين احتوائها في الوقت نفسه على إمكانيات غير مسبوقة لتقليل متزامن لِوقت العمل الإجمالي والإلزامي و إرضاء الحاجات الاجتماعية المعاصرة بنحو جوهري.

و على الرغم من تدابير تشديد الاستغلال، لا يجدُ رأس المال المفرط في تراكمه منفذ ربحية كافٍ، مما يُنتج استشفافَ أزمة اقتصادية جديدة أعمق، تتواجدُ جذورها في تناقضات الرأسمالية المتأصلة. و فوق أرضية التطور الرأسمالي غير المتكافئ وما ينتج عنه من عدم اﻹنصاف في العلاقات بين الدول الرأسمالية، تجري عمليات إعادة ترتيب هامة، وتتصاعد التناقضات  الإمبريالية البينية، وتندلع بؤر جديدة للصراعات الحربية تبَعثُر الموت واللجوء. ويبرز صدامٌ إمبريالي معمّم جديد بنحو متزايد نتيجةً للمزاحمات الإمبريالية البينية الجارية من أجل السيطرة على الأسواق ومناطق النفوذ و موارد المواد الأولية والطاقة، وطرق شحن الطاقة والسلع، و اقتسامها، باعتبار ذلك انطلاقة جديدة لإعادة إنتاج رأسمالي موسع بعد سعي نحو عملية خفض مضبوطٍ  لِقيمة رأس المال.

و على خلفية المواجهة الأمريكية الصينية من أجل موقع الصدارة في النظام الإمبريالي الدولي، و إلى جانبِ الحرب الإمبريالية في أوكرانيا والشرق الأوسط، تندلع بؤر جديدة للصراع في كل القارات، وتتحول بؤر ساخنة إلى جحيم حربي. هذا ما يُظهرهُ التدخل الإمبريالي للولايات المتحدة في فنزويلا، بهدف الاستيلاء على مكامن النفط والغاز الطبيعي والمعادن النادرة والمواد الأولية الثمينة، في مواجهتها مع روسيا والصين اللتين تسعيان إلى ترسيخ حضورهما في أمريكا اللاتينية من أجل مصالحهما الخاصة. هذا ما تُظهره تهديدات الإمبريالية الأمريكية وإسرائيل و الـتأهب من أجل عدوان جديد ضد إيران.

و بالتوازي، تتفاقم المواجهات داخل الكتلتين الإمبرياليتين: الأوروأطلسية، التي تشارك بها الدول اﻷعضاء في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، و الأوراسية المتواجدة قيد التشكُّل بقيادة الصين وروسيا. وتتشكَّلُ تحالفات و يُعاد تشكيلها دون أن يُلغي ذلك نزعة تعميم الحرب الإمبريالية.

في الوقت نفسه، تُضيف الظروف التي فرضتها النكسة التاريخية للثورة المضادة التي سادت في الفترة 1989-1991، مع  الأزمة العميقة والمديدة للحركة الشيوعية الأممية، صعوبات إضافية في تنظيم الصراع. حيث تُفضّل الأساليب القديمة  للاشتراكية الديمقراطية في التلاعب بالقوى العمالية والشعبية (كتوسيع نطاق المؤسسات المملوكة للدولة التي قدمت وظائف دائمة نسبياً، و تدخلاً اقتصادياً و اجتماعياً موسعاً للدولة الرأسمالية بنحو أعم، إلخ) أيضاً من جانب أحزاب ذات وجهة شيوعية، هي أحزابٌ إما تشارك في حكومات إدارة برجوازية أو تدعمها، أو من جانب الحزب الشيوعي الصيني الذي ينتمي إلى القوى القيادية للرأسمالية. و بموقفها هذا، تتحول هذه الأحزاب إلى بؤرة التباسات و انحرافات جديدة و انتهازية في الحركة الشيوعية الأممية، مما ينتج عدم ترافق إدراك المآزق التاريخية للرأسمالية و لطابعها البالي تاريخياً مع أية شرارات و اندلاعات لتحركات القوى العمالية الشعبية.

و ضمن تناسب القوى السياسي السلبي هذا على المستوى العالمي، بالنسبة للحركة الشيوعية والشعوب، وفي مواجهة المستقبل القاتم الذي تنذر به خطط و مزاحمات الدول الرأسمالية والتحالفات الإمبريالية، يُشكِّلُ الحزب الشيوعي اليوناني سنداً وأملاً للقوى العمالية والشعبية، مُنيراً منظور كفاحها الظافر من أجل الاشتراكية - الشيوعية.  حيث خاض الحزب الشيوعي اليوناني ويخوض معارك اجتماعية وسياسية قاسية، بعد إعادة تشكيله فكريا وسياسيا وتنظيميا، و صياغته استراتيجية ثورية في الظروف المعاصرة، و بعد تعزيزه لسماته الشيوعية. و مع تسلُّحه بقرارات مؤتمره اﻠ22 يضع الحزب اليوم هدف مواءمة جميع مستوياته، بوتائر أسرع وأكثر نجاعة عبر برنامجه ونظامه الداخلي، الثوريين، ليكون على أهبة الاستعداد لكل اختبار ومطلب  للصراع الطبقي.

البصمة التاريخية العظيمة لجيش اليونان الديمقراطي

إن واقعة طرح الحزب الشيوعي اليوناني اليوم هدف الاستجابة لنداء التاريخ من أجل الاشتراكية تعود إلى حد كبير، أيضاً إلى جذوره العميقة في القوى العمالية الشعبية ونضالاتها. هي جذور تاريخية تمتد إلى الصدامات الطبقية القاسية والدموية في فترة ما بين الحربين، وإلى الصراع البطولي والتضحيات التي قدمها الشيوعيون طوال عقد أربعينيات القرن اﻠ20، ومن أبرزها تضحيات أولئك الذين سقطوا في الجبال، و أمام فرق الإعدام (غوذي، بافلو ميلاس، إبتابيرغيو، وغيرها)، و في سجون (كِركيرا، إغينا، أكرونافبليا، إيتزِذِين، وغيرها)، وفي معسكرات الاعتقال (ماكرونيسوس، ياروس، وغيرها)، وفي أماكن المنفى (آي ستراتيس، إيكاريا، وغيرها).

وكانت جميع هذه النضالات و لا سيما النضال الطبقي لجيش اليونان الديمقراطي، قد شكلت عامل قوة كبير لإدراك المسؤولية الشيوعية. و لعبت دوراً هاماً لكي يبقى الحزب الشيوعي اليوناني منتصب القامة خلال الثورة المضادة ليتمكن من الحفاظ على استمراريته التاريخية في مواجهة الهجمة التفكيكية التي شنتها الانتهازية التكتلية، التي كانت قد اندمجت مع قوى اشتراكية ديمقراطية أخرى ضمن ائتلاف اليسار والتقدم المعروف ﺒ" السيناسبيسموس". حيث لا تزال هذه النضالات تشكِّلُ مدداً قوياً ودليلاً من أجل انعطاف راهن حاسم و قفزة نوعية يسعى لتحقيقها الحزب الشيوعي اليوناني في تشكيله و نشاطه.

وفي الوقت نفسه يمتلك حزبنا قناعة مفادها أن القيمة الحقيقية و الجوهرية في تاريخ جيش اليونان الديمقراطي وعموما في مسيرته التاريخية البطولية كحزب شيوعي لمئة عام و نيّف، ترتبطُ بنحو لا ينفصم مع استخلاصه للدروس المعززة للصراع الطبقي الراهن و للنضال من أجل الاشتراكية – الشيوعية و تتطلب بذات المقدار دراسة نقدية لتاريخ الصراع الطبقي على نقيضٍ من الأدبيات الانتهازية بشأن الأخطاء، مع رفضها أيضاً التجميل الانتهازي، حيث يُنكرُ كلا الرأيين المذكورين على حد السواء استخلاص الاستنتاجات من الماضي التاريخي.

هذا و شكّلت دراسة تاريخ الحزب الشيوعي اليوناني والحركة الشيوعية الأممية، واستخلاص الاستنتاجات من استراتيجية الحركة الشيوعية الأممية والثورة المضادة، مدداً ثميناً لحزبنا في صياغة استراتيجيته الثورية العصرية. وتُجرى الدراسة التاريخية على أساسِ التحليل العلمي للواقع الرأسمالي المحدد، كما و اعتبار وجود دول البناء الاشتراكي آنذاك و تناسب القوى الدولي التي تطورت في إطارها الأحداث التاريخية ونشاط الحزب الشيوعي اليوناني. بإمكان حزبنا مع اعتماده دليل المقاربة الموضوعية المادية للتاريخ، والتوجه المطلق في العلاقة الجدلية لعنصري العلمية - الطبقية، و يستطيع حزبنا تجنّب الوقوع في فخ النقد الجاري من موقع اﻷمان، نظراً لبُعده الزمني عن أحداث تلك الفترة، مع أخذه في الاعتبار لسائر العوامل التي صاغتها.

ودون التقليل من شأن الظروف الموضوعية يركّز الحزب الشيوعي اليوناني، على أوجه ضعف العامل الذاتي التي أثّرت سلباً على مآل صراع جيش اليونان الديمقراطي، و لا يُجمِّلُ سياسته و سياسة الحركة الشيوعية الأممية. و بالتوازي مع ذلك، يجابهُ بنحو حاسم المحاولة البرجوازية المنهجية لتشويه تاريخ ونضال جيش اليونان الديمقراطي، و بنحو أشمل يجابِهُ محاولة مراجعة تاريخ عقد الأربعينات العظيم، حيث اقتحمت الجماهير العمالية الشعبية بنحو انقضاضي مقدمة المشهد التاريخي، مهددة بنحو موضوعي وجود السلطة الرأسمالية ذاتها.

هذا و لا يقوم سائر من يحاول اليوم تشويه سمعة الكفاح المسلح للقوى العمالية والشعبية ضد السلطة الرأسمالية وحلفائها الدوليين، وكذلك أولئك الذين يحاولون نفاقاً إدانة العنف "أيا كان مصدره"، بتشويه الواقع التاريخي فحسب، بل يحاولون أيضاً إقناع الطبقة العاملة وحلفائها بأن ما من مستقبل لهم خارج واقع الرأسمالية البربري ذي الاستغلال الطبقي وتدمير المزارعين ومربي الماشية والصيادين و المهنيين العاملين لحسابهم، و خارج الواقع البربري للأزمات الاقتصادية والحروب والفقر واللجوء. إنهم سائر من  يستعدون لجرّ الشعوب مرة أخرى إلى مسالخ إمبريالية جديدة، مع "واجهة" تجميل الرأسمالية أو زرع أوهام بشأن إمكانية إصلاحها من أجل فائدة القوى العمالية والشعبية. إن ما يزعجهم ليس العنف الذي لا ينفصم عن الاستغلال الطبقي، بل واقعة "كَسر" الكفاح المسلح لجيش اليونان الديمقراطي لاحتكار الدولة الرأسمالية للعنف. إن الدولة الرأسمالية هي التي تمارس العنف يومياً ضد نضالات العمال والمزارعين المكافحين من أجل البقاء والشباب.

لحظة ذروة الصراع الطبقي

إن كفاح جيش اليونان الديمقراطي لثلاث سنوات، كان كفاحاً عادلاً و ضرورياً. بإرشادٍ من الحزب الشيوعي اليوناني كان يعبر عن مصالح الطبقة العاملة و مصالح قوتها الحليفة الأساسية، أي الفلاحين المُفقرين والشرائح الفقيرة من صغار كسبة المدن.

 كان جيش اليونان الديمقراطي نتاجاً للصراع الطبقي الحاد الذي تواجدت جذوره في الوضع الثوري الذي نشأ خلال تحرير اليونان من الاحتلال الفاشي الثلاثي، مع العمل الحاسم لجبهة التحرير الوطني اليوناني والجيش الشعبي لتحرير اليونان بإرشادٍ  الحزب الشيوعي اليوناني. حيث كان موجهاً ضد الطبقة البرجوازية المحلية، التي عرفت آنذاك أكبر خطر على سيادتها التي كانت تُسندها سائرُ القوى السياسية البرجوازية ("اليمينية" و"الوسطية") المتحالفة مع الدولتين الرأسماليتين لبريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية. حيث كانت غلبة جيش اليونان الديمقراطي تعني موضوعياً، تفكيك السلطة الرأسمالية، في حين لولا قيام الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي من جانب حلفائها الأجانب، لما استطاعت الطبقة البرجوازية اليونانية أن تنتصر.

احتدمت بعد التحرير، المواجهة الطبقية المسلحة الحادة التي كانت قائمة منذ سنوات الاحتلال، والتي كان من شأنها إما أن تقود إلى إسقاط السلطة الرأسمالية، مع عزل دعائمها اﻷجنبية في الوقت ذاته، أو إلى هزيمة القوى العمالية الشعبية و إلى توجيه ضربة قاضية للحزب الشيوعي اليوناني وإعادة تشكيل السلطة الرأسمالية. لم يكن هناك خيار آخر! ولم يُبطَل هذا الاستنتاج المفصلي فحسب، بل تأكد أيضاً من خلال مشاركة الحزب الشيوعي اليوناني و جبهة التحرير الوطني في حكومة "وحدة وطنية" بعد الحرب (أيلول\سبتمبر 1944).

تشكل ظروف يونان ما بعد الحرب التي أنجبت جيش اليونان الديمقراطي، أوضح إثباتٍ على أن التناقضات الاجتماعية لا تتسع لتُحشر في بدع بشأن "الوحدة الوطنية" وإلغاء الخطوط الطبقية الفاصلة.

هذا و مرسومة مسبقاً كانت استراتيجية القوى الرأسمالية المحلية والأجنبية. و مع تسلميها بواقعة تهديد السلطة الرأسمالية، فقد كان هدفها سحق الحزب الشيوعي اليوناني وجبهة التحرير الوطني -  الجيش الشعبي لتحرير اليونان بأي ثمن، و اللذين حافظا على نفوذهما ضمن قسم واسع من الشعب في جميع أنحاء البلاد، رغم الهزيمة العسكرية في أثينا في كانون الأول\ديسمبر 1944. و على العكس، لم تكن القوى السياسية البرجوازية المحلية قد استعادت المكانة السياسية اللازمة للنظام، إما بسبب تعاونها مع المحتلين، أو بسبب فرارها إلى الخارج و تغيُّبها عن كفاح التحرير الوطني. و في الوقت نفسه، كانت إعادة تشغيل آليات الدولة الرأسمالية تسير ببطء، حيث استمر في داخلها عمل أعضاء وكوادر للحزب الشيوعي اليوناني وجبهة التحرير الوطني، و هم الذين استُهدفوا من جانب القمع البرجوازي في الفترة اللاحقة.

سعت الطبقة البرجوازية إلى استئصال أي زخم جذري من وعي الشعب اليوناني كان قد تشكل خلال سنوات الاحتلال في ظل:

  • إرشاد الحزب الشيوعي اليوناني لكفاح جبهة التحرير الوطني.
  • النشاط الطليعي للأحزاب الشيوعية التي قادت جبهات المقاومة في جميع البلدان التي احتلها المحور الفاشي.
  • الدور الحاسم لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، الذي منح أكثر من 25 مليون قتيل و10 ملايين جريح ومعاق من أجل تحقيق هزيمة المحور.

و لكي تحقق إعادة تنظيم وإعادة تشكيل سلطتها بعد الحرب، قيَّمت الطبقة البرجوازية في اليونان التدابير التالية باعتبارها ضرورية:

  • الملاحقات (القتل، والسجن، والنفي، والتعذيب) ضد الشيوعيين و غيرهم من أعضاء جبهة التحرير الوطني و الجيش الشعبي لتحرير اليونان، مما أجبر الآلاف على اللجوء إلى الجبال، ودفع آخرين إلى سلوك طريق اللجوء السياسي (بولكس).
  • تبرئة الكتائب اﻷمنية و باقي المنظمات المتعاونة مع الاحتلال ودمجها عضوياًَ في الأجهزة الإدارية المسلحة للدولة.
  • حضور آلاف من أفراد الجيش البريطاني في اليونان.

حيث شكَّل كل ما ذُكر جوانب و مقدمات لإعداد القوى البرجوازية من أجل الصدام مع القوى العمالية الشعبية، من أجل تحقيق غلبتها النهائية.

و على الرغم من ذلك، واصل الحزب الشيوعي اليوناني المطالبة بـ"وضع ديمقراطي طبيعي"، مع احتباسه ضمن الاستراتيجية التي أدت إلى اعتماد قرار إدراج الجيش الشعبي لتحرير اليونان تحت قيادة المقر البريطاني في الشرق الأوسط (تموز\يوليو 1943)، وإلى إبرام اتفاقيتي لبنان (أيار\مايو 1944) و كاسيرتا (أيلول\سبتمبر 1944) غير المقبولتين، وبعد الهزيمة العسكرية في أثينا في كانون اﻷول\ديسمبر، إلى توقيع اتفاقية فاركيزا غير المقبولة بذات القدر (شباط\فبراير 1945). و مع ذلك فقد دحضَ الواقع الفج للصراع الطبقي هذه الخيارات السياسية.

بعد عام من إبرام اتفاقية فاركيزا، تشكَّل الوضع كالتالي على حساب الحزب الشيوعي اليوناني وحركة جبهة التحرير الوطني: 1289 اغتيال، 6671 إصابة، 31632 حالة تعذيب، 18767 حالة نهب وسجن، 84931 حالة اعتقال، 509 محاولات قتل، و265 اغتصاب نساء.  حيث عاثت فساداً عصابات أتباع سورلاس، وباندوفاس، وكاتسارياس، ومانغاناس، وتشاوش أنطون، وعصابة "خي" بقيادة يورغوس غريفاس، و العشرات غيرها في جميع أنحاء اليونان، من أعوان المحتلين وغيرهم من القتلة المأجورين، الذين كانت الأحزاب السياسية البرجوازية وأجهزة الدولة تحميهم، بمساعدة الجيش البريطاني.

و لكل الأسباب المذكورة أعلاه، يتمثَلُ تجرُّد طوباوي في الزعم بأن تطبيق اتفاقية فاركيزا كان من الممكن أن يقود اليونان نحو تطور ديمقراطي سلس في اﻷساس. حيث يتمثّلُ أيضاً جزء من هذا الزعم الخبيث و المنعدم اﻷساس في حجة القوى البرجوازية والانتهازية التي تفيدُ بأن الإرهاب البرجوازي لكان سيُتجنَّب لو شارك الحزب الشيوعي اليوناني و جبهة التحرير الوطني في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 31 آذار\مارس 1946.

هذا و كان لانتخابات آذار\مارس 1946 التي أُجريت بقوائم انتخابية مزورة هدف حصري، حالها حال الانتخابات البرلمانية البرجوازية المتتالية اللاحقة، و هو تحصين وتعزيز السلطة الرأسمالية.

كان هذا يعني في ظروف ذاك الحين، إعادة تشكيل الدولة الرأسمالية و مواصلة وتصعيد القمع ضد الفاعل العمالي الشعبي، تحت ستار الشرعية البرلمانية البرجوازية. ويُعدّ تعزيز قمع الدولة بعد الانتخابات بالمرسوم الثالث «بشأن التدابير الاستثنائية المتعلقة بالنظام العام والأمن» دليلاً واضحاً على ذلك. و كذلك، بعد الاستفتاء المزور الذي جرى في الأول من أيلول\سبتمبر 1946 بشأن عودة الملك، و رغم الموقف المتناقض ومشاركة الحزب الشيوعي اليوناني و جبهة التحرير الوطني فيه، تم سنُّ القانون رقم 509\1947 « بشأن بث أفكار تهدف إلى قلب النظام الاجتماعي السائد»، و ما شاكله. ونتيجة لذلك، زُجّ بآلاف الشيوعيين وغيرهم من المناضلين الطليعيين في السجون والمنفى و مَثلوا أمام فرق الإعدام.

و في حال حدوثها، لكانت مشاركة الحزب الشيوعي اليوناني و جبهة التحرير الوطني في انتخابات 1946، قد شكَّلت شرعنة للوضع المتغول في مناهضة للشعب، و لزرعت أوهاماً قائلة بأنه من الممكن و من خلال الانتخابات، إسقاط الاستراتيجية المُقرَّة سلفاً من قبل القوى الرأسمالية المحلية والأجنبية، التي تنص على سحق الحزب الشيوعي اليوناني و جبهة التحرير الوطني. و لكانت قد قَضَت على الحركة العمالية - الشعبية دون قتال. هذا و كان مفادُ المعضلة  التي واجهها الشعب هو: "الخضوع أم تنظيم الصراع والهجوم المضاد". و إجلالاً لها اختارت الحركة العمالية الشعبية بإرشادٍ من الحزب الشيوعي اليوناني - و لو بعد تأخير - الطريق الثاني و شكَّلت جيش اليونان الديمقراطي.

أثبت تأسيس جيش اليونان الديمقراطي أن خيارات الحزب الشيوعي اليوناني الخاطئة في الفترة السابقة لم تكن نابعة من نية التوافق مع الخصم الطبقي أو الاندماج في السلطة الرأسمالية. فقد أنقذ الحزب الشيوعي اليوناني، بتأسيسه جيش اليونان الديمقراطي، شرفه وشرف الشعب، و سطَّر ألمع صفحة في تاريخ الصراع الطبقي في بلادنا.

جيش اليونان الديمقراطي: تجنُّدٌ شاملٌ للقوى العمالية الشعبية تحت إرشاد الحزب الشيوعي اليوناني

مع تأسيسه جيش اليونان الديمقراطي، نشط الحزب الشيوعي اليوناني كحزب مقاتل تصدَّر خوض الكفاح الطبقي المسلح، واقعة حملت ختم ضريبة الدم التي منحها آلافٌ من أعضائه وكوادره. من بينهم، أعضاء لجنته المركزية الذين اغتيلوا أو أُعدموا أو سقطوا في المعارك: سبيروس كالوذيكيس، آدم موزينيذيس، إيليّاس كيابيس، ستيفانوس كييوزيلّيس، ستيرغيوس أناستاسياذيس، أريستوس فاسيلياذيس، فاسيليس ماركيزينيس، كوستاس فارماكيس، فانغيليس كافاذياس، يورغيس تسيتيلوس، نيكوس أراباتزيس، ميتسوس باباريغاس، يورغيس ذيميتريّو، يانيّس زِفغوس.

 أثبت الحزب الشيوعي اليوناني خلال كفاح جيش اليونان الديمقراطي، قدرته على العمل حتى في أحلك الظروف. على الرغم من الهجوم الذي شنته الطبقة البرجوازية المحلية على طول الجبهة والصعوبات الموضوعية في التواصل، حيث استمر انعقادُ اجتماعات المكتب السياسي واللجنة المركزية وهيئات الحزب الأخرى، و كانت اجتماعات منظمات الحزب تُقامُ حتى خلال فترة الهدوء بين المعارك، في حين كان الشيوعيون يجندون أعضاء جدد.

و على العكس مما تزعمه الدعاية البرجوازية حتى يومنا هذا، كان جيش اليونان الديمقراطي لحماً من لحم الحركة العمالية الشعبية. و ما كان لتأسيسه و ملحمته أن يتحققا لولا الدعم الحاسم والمتعدد الأوجه من القوى العمالية الشعبية، لا سيما في مناطق اليونان المحررة. حيث كانت الجماهير الفقيرة هي من أمدَّته بكافة أنواع المساعدة: أي بالعديد البشري والمواد الغذائية والملابس، و في المساعدة في بناء التحصينات، و جمع المعلومات، وتنظيم الميليشيا الشعبية.

حيث شكَّل جيش اليونان الديمقراطي و مؤسسات تنظيم الحياة الإجتماعية المنبثقة عن الشعب (المجالس الشعبية، الميليشيا الشعبية، العدالة الشعبية)، دعامة تطوير الفاعل العمالي الشعبي و قوة مواجهة مشاكل شعبية عديدة. ووفقًا لـ"الأحكام القانونية لليونان الحرة"، التي أصدرتها في البداية القيادة العامة للمتمردين، ثم أُدرجت لاحقاً في تشريعات الحكومة الديمقراطية المؤقتة، تم تشجيع تشكيل مجالس شعبية منتخبة من جميع السكان البالغين وقابلة للسحب، فضلاً عن انتخاب المحاكم الشعبية وتفعيلها. كما حُددت مسؤوليات الميليشيا الشعبية، وأُقر التعليم الإلزامي والمجاني لستة أعوام مع اعتُمد اللغة العامية لغةً رسمية. وأُعلن عن المساواة بين الرجل والمرأة، واعتُرف بحقوق الأقليات القومية واللغوية.

لم يقتصر تجاوبُ  المجالس الشعبية مع الحاجات الملحة للحرب، بل تصدَّرت: في تشييد العيادات والمدارس الشعبية (حتى أنه في أراضي أركاذيّا المحررة من قبل جيش اليونان الديمقراطي، تم إنشاء مدرسة شعبية بهدف تدريب معلمين للمدارس الشعبية). وفي تنظيم وتوزيع الإنتاج، وحماية حياة وممتلكات سكان المناطق المحررة، و تعليمهم وتنميتهم الثقافية. وفي حماية أطفالهم من القصف والاستعباد.

ونتيجة لذلك، هيأت هذه المؤسسات المنبثقة عن الشعب - التي استندت أيضاً إلى تجربة المناطق التي حررها الجيش الشعبي لتحرير اليونان خلال أعوام الاحتلال الفاشي الثلاثي - الظروفَ اللازمة لقيامِ روابط عميقة لا تنفصم بين جيش اليونان الديمقراطي والقوى العمالية الشعبية في المناطق المحررة، إذ دافع جيش اليونان الديمقراطي عن مصالحها ومكاسبها، حيث  بادلته بدورها الدعم بكافة الوسائل.

و لهذا الأسباب، شرعت الدولة البرجوازية بعملية تهجير قسري لمئات آلاف السكان من قراهم ممن سمتهم بهتاناً حينها، ﺒ" ضحايا المتمردين"، بغرض عزل جيش اليونان الديمقراطي عن مصادر قوته الأساسية.

لقد كان نضالُ جيش اليونان الديمقراطي بطولياً و مهيباً. هو نضال جرى في ظل ظروف مواجهة طبقية غير متكافئة. حيث ترفع هذه الواقعة من قيمته و قيمة الإرث الذي تركه لتاريخ الحركة الثورية و الحزب الشيوعي اليوناني، ما دام قد هُزم عسكرياً من الدولة الرأسمالية وحلفائها الدوليين، لكنه لم يُهزم أخلاقياً - سياسياً - في وعي القوى العمالية الشعبية.

و كان هذا أيضاً هو السبب في أنه و على الرغم من الهزيمة العسكرية لجيش اليونان الديمقراطي وحظر شرعية الحزب، لم يكن هناك من خضوعٍ و لا تفكيك للحركة العمالية الشعبية.

إن الحزب الشيوعي اليوناني فخور بجيش الأبطال الذي رباه. حيث منح الآلاف من الشيوعيين والشيوعيات آخر قواهم، لتجسيد ملحمة جيش اليونان الديمقراطي، حيث كانوا يحاربون و يمشون ليلاً و نهاراً، و في كثير من الأحيان دون طعام، مع العديد منهم حفاة على الجليد و ضمن العواصف. و يكرِّم جميع الذين و اللواتي، قاتلوا ببسالة في مواقع غرامُس و فيتسي و إيبيروس و ثِساليِّا و رومِلي و بِلوبونيسوس و مقدونيا و ثراكي، و في كريت وجزر البحرين: الأيوني و إيجه، أينما : "شكلت و نشطت قوى جيش اليونان الديمقراطي ".

إن النشاط و نكرات الذات الذي أبداهما عشرات الآلاف من قتلى مقاتلي و مقاتلات جيش اليونان الديمقراطي و جرحاه و المعتقلين بسبب نشاطهم فيه و من أجل قضيته وجميع أولئك الذين أبلوا بلاءاً حسناً في كفاحه المسلح في اليونان و خلال لجوئهم السياسي، هي أمور تعلّم و تربّي و تنمي عقيدة سياسية و أخلاقية. حيث كان معظمهم من الشباب، المنتظم في صفوف شبيبة اليونان الديمقراطية و منظمة الشبيبة اليونانية الموحدة، الذين شكلوا حوالي 80٪ من مجمل قوة جيش اليونان الديمقراطي.

كان جيش اليونان الديمقراطي، جيشاً ثورياً شعبياً. استند في خبرته التنظيمية الحربية إلى كفاح الجيش الشعبي لتحرير اليونان، ضد الاحتلال و إلى خبرة كانون الأول/ديسمبر1944 الحاسمة موضوعياً، و هما الخبرتان اللتان خلفتا ميراثاً كفاحياً عظيماً في الوعي الشعبي، و في أشكال التنظيم والصراع. و على نقيض الجيش البرجوازي، فقد كانت ميزة جيش اليونان الديمقراطي، تتمثل في الكفاح من أجل حق الشعب و في نكران الذات والانضباط الواعي. حيثُ جَمَع بين التطبيق الكفاحي للأوامر مع ديمقراطية جلسات الإجتماعات على مختلف المستويات، و مورس النقد تراتبياً، من الرتب الدنيا نحو العلياً و بالعكس، و كان يجري تقييم العمليات العسكرية، بواسطة روح موقف نقدٍ ذاتي.

هذا و قام  جيش اليونان الديمقراطي عبر كلياته تخريج ضباطه، مع  ترقية الآلاف من المناضلين كقادة عسكريين في جميع مرتباته، مثل: يانِّيس الكسانذو (ذيامانديس)، خاريلاوس فلوراكيس (يوتِّيس)، نيكوس ترايندافيلُّو،  ستيفانوس ﮔﻳﻮزِلِّيس، بانوس زاراس، كوستاس كارايورغيس، يانِّيس ﭙوذياس، كوستاس كولييَّانيس (أرﭬانيتيس)، ثاناسيس ﮔﻨﯿوس (لاسانيس)  ﭙاندِليّس ﭬايناس،  يورغوس إيلياذيس (سُفيانوس)، نيكوس ثيوخاروﭙولوس ( سكوتيذاس) تاسوس ﭙيتساس، روماس بِتسوس، يورغيس ﭬوغياس (كارتسيوتيس)، أندونّيس أنغلولِّيس (ﭬراتسانوس)، كوسماس سبانوس (أمينتاس)، يورغوس يانولِّيس، ثوماس ﭙالاس (كوتزاكياس)، ذيميتريس يانَّاكوراس (ﭙرذيكاس)، ﭙوليخرونيس ﭬايس (أخيلياس ﭙِتريتيس)، إيليَّاس أﻟِﭬراس، كوستاس كسيذيياس، ميخاليس باباذامُس (فِرييوس)، مانوليس ستاثاكيس، أريستوس كامارينوس، كوستاس تسولاكيس، ثيميوس كاﭙسيس (أنابوذوس)، يورغوس يورغياذيس، فوتيس سغوروس، غِراسيموس غريغوراتوس (أسترﭙويانوس).

و إلى جانب الضباط العسكريين المنبثقين من الشعب و الذين أسهموا في تطويره و في قدرته الكفاحية، خدمَ في صفوف جيش اليونان الديمقراطي ضباط أتوا من الجيش البرجوازي لكنهم اصطفّوا بنحو حاسم إلى جانب القوى العمالية الشعبية، مثل: يانِّيس مالاغاريس، يورغوس ساماريذيس (لوغوثِتيس)، يانِّيس كيليسمانيس، ستِفانوس بابايانَّيس، كوستاس كانِلُّبولوس، باﭬلوس توبوليذيس،  نيكوس تِرزوغلو (بيراﭬلوس)،  ثوذوروس كالينوس (أماربيس)، كوستاس باسكيذيس، خريستوس ستِفوبولوس، ذيميتريس تسيتسيبيس، ثيوذوسيس زيرﭬاس، ﭬاسيليس ﭬِنِتساتنوبولوس، يورغوس كاليانِستيس (مِسينيس)، يانِّيس مانياس، ذيميتريس كوكوراس، ثيميوس زولاس، يوروغوس كاتِميس، كوستاس أندونوبولوس (كرونوس)، ألِكوس بابايورغيو، يورغوس كوندالونيس.

و إلى جانبهم، نشط أيضاً كوادرُ أجهزة قمعية أخرى تابعة للدولة البرجوازية، ممن انحازوا صف الحركة العمالية الشعبية، مثل ضباط شرطة المدينة السابقين: خريستوس باباناستاسيِّو، ستراتوس لامبريناكوس، يورغيس كاراكاتسانيس (كوسكيناس أو كوسكينيس)، الرقيب أول في الشرطة ديميتريس كيكناس، والرقيب في الشرطة ميخاليس كوستوبولوس، و الرقيب في الدرك كوستاس تولياس، بينما تعرض ضابطا شرطة المدينة والدرك يانيس بالافوس و ثوماس فينيتسانوبولوس على التباع لاضطهاد طويل الأمد بسبب نشاطهما في المدن، وكذلك الرقيب السابق في الشرطة بوليفيوس كوتسويورغاس والدركي بانايوتيس فازوراس.

هذا كان تقرُّبُ ضباط برجوازيين من الحركة العمالية والشعبية وغيرهم من الأعضاء السابقين في آليات القمع البرجوازية، في بعض الحالات، نتاجاً للعمل المنهجي للشيوعيين في صفوف الجيش خلال فترة ما بين الحربين، والذي ازدهر في سياق مقاومة جبهة التحرير الوطني ونضال الجيش الشعبي لتحرير اليونان، لكي يعزز لاحقاً  صراع جيش اليونان الديمقراطي.  حيث هيّأ النشاط البطولي السابق للحزب الشيوعي اليوناني الظروف لانتقال العديد من المجندين في الجيش البرجوازي إلى صفوف جيش اليونان الديمقراطي.

حيث مميزٌ كان إسهام أولئك الذين نشطوا في المدن ضد إرهاب الدولة البرجوازية وحماية المناضلين الشعبيين، وتسهيل تسريبهم إلى ساحات القتال.

من بين عشرات الآلاف من مقاتلي و مقاتلات جيش اليونان الديمقراطي، شارك ممثلو العلوم والآداب والفنون، كالأدباء ذيميتريس خاتزيس، فوتيس أﻨﮔولّس، يورغيس سِفاستيكوغلو، تاكيس آذاموس، يورغيس لامبرينوس، ذيميتريس راﭬانيس- رينديس، ميتسوس ألِكسانذروبولوس، ألِكسيس بارنيس، نيكوس كيتوﭙولوس، كوستاس ﭙورناراس (بوسيس)، آنثوس فيليتاس (آنثيموس خاتزيأنثيمو)، ﭬاسيليس بيغيس، نيكوس ﭙاﭙانذريو، و المؤرخ يورغوس زوييذيس، و المخرج مانوس زاخارياس، و المصور و مهندس الصورة أﭙوستولوس موسوريس، و الممثلون: يانِّيس ﭬياكيس، أندونيس يانِّيذيس، و الفنانون التشكيليون: يورغوس ذيمو و يورغوس غولاس و غيرهم.

و وقف بجانب جيش اليونان الديمقراطي و ساعده من بلدان إقامتهم في الخارج، كل من : النحات مِمُّوس ماكريس، والأديب يورغوس أثاناسياذيس، و الأدباء: إللِّي ألِكسيُّو، بِلبو أكسيوتِّي، ثيوذوسيس بيريذيس، إللِّي لامبريذي، ثراسوس كاستاناكيس و الكثير غيرهم.

و إلى جانب جيش اليونان الديمقراطي، وقف من كل معقلٍ بما فيها: المنافي والسجون والملاحقات القضائية و غيرها: الملحن ميكيس ثيودوراكيس، و جمع من الأدباء والشعراء مثل يانيس ريتسوس، كوستاس ﭬارناليس، آﻨﮔِلوس سيكيليانوس، تاسوس  ليفاذيتيس، ثِمّوس كورناروس، كوستاس يانّوبولوس، نيكيفوروس ﭬرتّاكوس، مانوليس أناغنوستاكيس، فيكتوريا ثيوذورو، ذيذو سوتيريو، أندرياس ﻓﺭﺍﮔﯿاس، ميخاليس كاتساروس، ستراتيس ذوكاس، يورغوس كوتزيولاس، مِنِلاوس لوندِّميس، نيكوس كاروزوس، نيكوس كاﭬاذيَّاس، يورغوس ﭬالِتَّاس ، كوستاس كالاتزيس (ثِسالوس)، آلكي زيي، غالاتيِّيا كاتزانتزاكي، و النقاش أناستاسيوس تاسّوس، و التشكيليون: يورغيس فارساكيذيس، يانِّيس ستِفانيذيس، فالياس سِمِريتزيذيس، ﭬاسيليس أرماوس، ذيميتريس يولذاسيس، ثوماس مولوس، خريستوس ذاﮔليس، ﭬاسيليس ﭬلاسيذيس، ﭬاسو كاتراكي، كاتِرينا كارياتي- سيسماتي، و الموسيقي فيفوس آنوغِناكيس، المؤلف الموسيقي ألِكّوس كسِنوس، المخرج نيكوس كونذوروس، الاستاذ الجامعي يانِّيس إيمفريوتيس، التربوية روزا إيمفريوتي، الناقد الفني ماركوس أفغِريس، و المؤرخون: يانِّيس كورذاتوس، ذيميتريس فوتياذيس، و الممثلون: مانوس كاتراكيس، ألِكّا باييزي، تزافِالاس كاروسوس، تيتوس ﭬانذيس، أسباسيّا باباثاناسيّو، أوليمبيّا ﭙاﭙاذوكا، مالِنا آنوساكي، أرغيرو ﭭوكوﭭيتس، كيتي ديرداوا تايغِتّي، نيكوس فِرماس، يورغوس يولاسيس، كوستاس بالاذيماس، و الممثلة و الأديبة زورز ساري، و مؤلف الأغاني كوستاس ﭭيرﭭوس و المؤلف الموسيقي ثوذوروس ذِرﭭِنيوتِّيس و الكثير غيرهم.

كما و تجاوب آلاف المناضلين، أيضاً في السجون ومعسكرات الاعتقال لنداء العصر، عبر كتابة القصائد أو التعبير عن النضال الشعبي من خلال الرسم واللوحات. و كان كفاح جيش اليونان الديمقراطي قد ألهم شعراء أجانب ذوي بعد عالمي، مثل ناظم حكمت، بابلو نيرودا و ﭙول إليوار وغيرهم.

العمل اﻷيديولوجي السياسي خلال فترة المواجهة الطبقية القاسية

كان دور المفوضين السياسيين، قد مثَّل عاملاً حاسماً في أداء جيش اليونان الديمقراطي، و في إلهام المقاتلين والمقاتلات و تحفيزهم و تربيتهم على الموقف السياسي تجاه السكان المدنيين، كما و أيضا تجاه جنود الجيش البرجوازي. و من باب الذكر لا الحصر، يُذكر منهم :نيكوس بِلويانِّيس، يانِّيس سالاس، فاﻨﮔيلِّيس روﮔاكوس، يورغيس إرثرياذيس (ﭙتريس)، ميتسوس ﭬامفاكاس، ليونيذاس سترﯿﮔوس، نيكوس كاناكاريذيس (لامبروس)، كوستاس لولِس، كوستاس لاوتاريس، يورغوس كلاينوس، نيونيوس ترايفوروس، بانايوتِّيس إيفانديس (إيراكليّس)، كوستاس كاركانيس (تاكيس)، نيكوس كليافاس، ﭙتروس إيوسيفيذيس، سونيا إلِفثِرياذو، رويذي ميخالاكيس، كاتينا- تسفِتا أنذريوبولو، إلفثيريّا إيوانّيذو، كوزماس بوكوفيناس، ليذيا كالايتزيذو، أسباسيّا ذاسكالوبولو، أندونيس أندونياذيس (سيموس)، أرِستيذيس ثيوخاريس، خريسولا ﮔوﮔولو، يانَّنا تريكالينو، مانولِّيس فراﮔياذاكيس، ماريا ﭬِليو (ﭙاراسكِفولّلا)، ذيميتريس كيرلاس، مِلبومِني ذيمانوبولو، أثاناسيَّا كالايتزيذو، ستِرغيوس براتوس.

و بنحو أشمل، برز العمل الأيديولوجي والسياسي في جيش اليونان الديمقراطي كسندٍ حاسم للهدف العسكري والسياسي، إذ  حصَّن مقاتليه و مقاتلاته ومكّن من خوض ملحمتهم التي استمرت ثلاث سنوات.

هذا و كان لافتاً نشاط النشر في صفوف جيش اليونان الديمقراطي، و الذي تضمن منشورات: "إكسورمِسي"، "ﭙروس تي نيكي"، "ذيمُكراتيكوس ستراتوس"، "نيوس ماخيتيس"، "أغروتيكوس أغوناس"، "ماخيتريا"، "أغونيستريا"، وغيرها. و إضافة إلى  المطبعة المركزية لجيش اليونان الديمقراطي، كانت كل قيادة فرقة، تصدر نشرة أخبار يومية و صحيفة. كما و كانت تصدر صحف مخصصة بلغة سلافيي مقدونيا و مسلمي تراقيا.

وعلاوة على ذلك، كانت يجري خلال هذه الفترة تداول سري : في أثينا وبيرياس، لصحيفة "ريزوسباستيس"، و في ثِسالونيكي، ﻠ"لايكي فوني" و  في فولوس "لِفتريا" و في لاريسا "لايكي فوني". و كانت صحف حزبية سرية تنشر في مناطق أخرى، مثل صحيفة "مورياس" في بيلوبونيسوس، و "ﮔينايي" في ساموس، وغيرها. كما و شكلت أيضا، مطبعة "إلِفثِري إللاذا"، التي أصدرت مئات الكتب مع آلاف من النسخ.

و كانت محطة إذاعة "إلِفثِري إللاذا" قد باشرت بثها، اعتباراً من شهر تموز/يوليو 1947 بداية من بلغراد ثم من بوخارست، تحت مسؤولية حزبية لأفروذيتي نوذارا (إيليني ماكري)، مع المحررين: يورغيس أﻨﮔوراكيس (أليكوس بسيلوريتيس)، بيريكليس كالوذيكيس، ذيميتريس خاتزيس، ماريانا ﭬياكي، و المذيعين: تاكيس ليفاذاس و ياننَّا كالوذيكي.

و تمظهر التنوير عبر محاربة الأمية (حتى في ظروف الحرب)، كما و عبر دروس أيديولوجية و دورات و محاضرات و خطابات موجهة نحو مقاتلي و مقاتلات جيش اليونان الديمقراطي، والتي ركزت على رفع االمعنويات و أيضا على إبلاغهم بالتطورات السياسية الراهنة ومهام جيش اليونان الديمقراطي. هذا و كانت تجرى دروس حول برنامج الحزب الشيوعي اليوناني و نظامه الداخلي، حتى تحت رشقات الرشاشات و انفجار القذائف.

و كانت تشكيلات من جيش اليونان الديمقراطي، تلقي بالمنشورات في القرى و المدن، أو تقوم بإلصاق الجداريات و استخدام مكبرات الصوت، للتواصل مع جنود الجيش البرجوازي، لدعوتهم لعدم القتال ضد الشعب المناضل.  و على وجه الخصوص، أثناء ذكرى المناسبات كلما سمحت الظروف بذلك، كانت تنظم في مختلف قطاعات جيش اليونان الديمقراطي و في المناطق المحررة، أمسيات ترفيهية تتضمن تمثيليات مسرحية، و تلاوة القصائد و تقديم الأغاني. و كانت قد نظمت فرقة مسرح و ورشة سينمائية.

و شُكِّل بغرض تنظيم وتسيير التنوير السياسي، مكتب ذي صلة في القيادة العامة لجيش اليونان الديمقراطي. حيث يذكر من بين المشاركين في هذا المكتب، على وجه الذكر: تاكيس ماماتسيس، بانايوتِّيس مافروماتيس، زينون زورزوﭬيليس، باريسيس أﻨﮔليذيس، ﭬاسوس يورغيِّيو، نيكوس سيمتزيس، ﭙاسخاليس ﭙاسخالِفسكي، أﭙوستولوس ﺳﭙيليوس.

إن كل ما سبق يشرح أن على الرغم من نقص الذخيرة والمواد الغذائية في كثير من الأحيان من مدد مقاتلي ومقاتلات جيش اليونان الديمقراطي، لكن الصحيفة والكتاب لم يغيبان أبداً. و هو يشرح أيضاً صمودهم في مواجهة الصعوبات غير المسبوقة للكفاح المسلح، ومعنوياتهم العالية، و كفاحيتهم وإتقانهم لفن الحرب و عموماً نجاعتهم في المواجهة الحربية مع قوى الجيش البرجوازي الأعتى والأفضل تسليحاً، حتى عندما رجحت كفة الميزان نهائياً ضد جيش اليونان الديمقراطي.

المرأة في جيش اليونان الديمقراطي

هامةٌ  كانت مشاركة النساء في نشاط جيش اليونان الديمقراطي، حيث شكلت النساء حوالي ربع إجمال قوته.
و كانت ألف وسبعة وعشرين (1027) من النساء، قد رُقّين إلى رتبة ضابط وصف ضابط في جيش اليونان الديمقراطي.
و في أواخر عام 1948، كانت النساء تشكلن نسبة تتجاوز اﻠ 20٪ من تركيبة الهيئات الشعبية في المناطق المحررة.

في تلك الظروف لليونان  و على نطاق أوسع، ساد التصور الرجعي بشأن دونية الجنس النسوي، حيث كان عدم إنصاف المرأة مرسخاً مؤسساتيا (لم يكن لها حتى حق التصويت)، رفع جيش اليونان الديمقراطي من شأن المرأة العاملة و فتاة الريف لتتصدر التطورات السياسية التي مهدت الطريق نحو حياة أفضل. و كان قد أسهم في تحقيق ذلك، العمل الاختصاصي الذي جرى في صفوف نساء جيش اليونان الديمقراطي، و الذي تمظهر عبر تأسيس"اتحاد اليونان النسائي الديمقراطي"، الذي ترأسته في البداية خريسا خاتزﯾﭬﺍسيليو و ثم رولا كوكولو.

حيث أثبتت المرأة في جيش اليونان الديمقراطي بأنها جديرة بالنضال أسوة بالرجال المناضلين. و كانت نساء جيش اليونان الديمقراطي تسببن الرعب في صفوف جيش الرجال البرجوازي المضاعف عديداً و المسلح على نحو أفضل. و كان الجيش "المجيد" اليوناني - الإﻨﮔليزي - الأمريكي يشعر بالذل و بتقويض روحه المعنوية، حين كسب نساء جيش اليونان الديمقراطي مع أخوتهم المناضلين الرجال، للمعارك. هذا و كانت النساء تشكلن خاصة في الخدمات الصحية جزءاً كبيراً من مسعفي نقل  المصابين. وتم تكريم مقاتلات الخدمة الصحية اللواتي سقطن أثناء أداء الواجب بميدالية "إلِكترا". و كان عطاء النساء يتمثَّلُ أيضاَ في خدمتهن في الميليشيا الشعبية كما و خلف خطوط العدو، عبر نثر المنشورات و بث الأخبار، وتنظيم الاحتجاجات الشعبية، كما و باعتبارهن عناصر ارتباط أو جمع المعلومات.

و أبرز جيش اليونان الديمقراطي آلاف البطلات و المقاتلات العاديات أيضاً في موقع مسؤولية القائد العسكري والمفوض السياسي. و من النماذج المشرقة للمرأة المقاتلة، يستحيل تمييز إحداها، لأن تواريخ الدم و التضحية بالذات و الإيمان بالمُثل، التي تبدو منفصلة، تجتمع معاً في تاريخ واحد لآلاف الرجال والنساء الذين كرموا الحزب الشيوعي اليوناني، و جُندوا في جيش اليونان الديمقراطي و عاشوا وضحوا على نحو بطولي من أجل الشعب.

و كانت ممثلاتهن في الجبال والمدن من بطلات الحزب الشيوعي اليوناني الشهيدات المكرمات: إيريني- ميركا ﮔﯾني، فاﻨﮔِليتسا كوسيانتزا، أثينا بينِكو، ﭬﺍﻨﮔِليو كلاذو، ماريا بوراكي، ماريا ليوذاكي، أنتزولِتا مِركوري، ذيونيسيّا غريغوراتو، إيليني إيكونومو، إيورذانا سلانديكو، غِرمانيّا باييّكو، تاسيّا كونستاندينيذو، إيليني خروني، بِريستِرا ﭬﻼخو، بوليكسيني كانونيذو، كولا إلِفثيرياذو، إيسميني سيذِروبولو.

عن الخدمات الصحية لجيش اليونان الديمقراطي

و ضمن نضال جيش اليونان الديمقراطي، كان لا يمكن الاستغناء عن إسهام هيئة الخدمات الصحية. و هي التي كانت تفتقر في البداية حين تنظيمها إلى الأطباء والممرضين، وإلى أبسط الوسائل. حيث كانت تستخدم الملابس المستعملة والقمصان كضمادات، في حين كان القطن هو ذاك الذي قدمه أهل القرى من وسائدهم و لحفهم.

و عبر محاولة مقاتلي جيش اليونان الديمقراطي و مؤيديه، شُيِّدت مستشفيات كان أكبرها في موقع "سكالا" في جبل غرامُس كما و موقع كايماكتسالان في منطقة ﭙﺭِﺳﭙﺲ، و في جبل تاييّغتوس، و في فيتسي و ﭙﺳﻳﺍﻨﺍ و زاغوري و ﺳﭙﻳﺍنسا و غيرها العديد من المناطق. و لم تعالج مستشفيات جيش اليونان الديمقراطي فقط مقاتليه فحسب، بل عالجت أيضاً سكان المناطق المُحررة، الذين كانوا في حالات عديدة لم يتلقوا أية رعاية صحية مُنظمة من قبل.

و بالتوازي جرت مواجهة نقص طاقم التمريض، على قدر الإمكانات عبر تنظيم مدارس التمريض. حيث تخرج من كلية الإدارة الصحية المتوسطة لجيش اليونان الديمقراطي ما مجموعه 152 كادراً، عينوا برتبة ملازم في الخدمات الصحية. بعد ذلك جرى تخريج دفعة جديدة بلغ عددها 75. كما و تخرج من مدرسة التمريض أكثر من 300 من الرجال والنساء.

و كان للأطباء و بعض طلاب الطب إسهام حاسم في تنظيم وتشغيل الخدمات الصحية لجيش اليونان الديمقراطي. و من بينهم أستاذ الطب ﭙِتروس كوكاليس و اختصاصي اﻷوبئة خريستوس ذاماكاس والأطباء يورغوس تزامالوكاس، نونداس ساكِلاريِّو، نيكوس كوكوليوس أو باليوراس، ستِفانوس خوزوريس، يورغوس نِذِلكوس، تاكيس سكيفتيس، ﭬاسياليس ذاذالياريس، أفغي كتينا، كيتي نيكولِتُّو- ﮔﯾزلِّي، كيتي ﭙوتيري، ﭬاسيليكي كريتسيكي، و الطالبة ﭙاترا مونا أو سبِنغو. و أيضاً كان قد أسهم أطباء متطوعون من بلدان أخرى، كالطبيب الهنغاري تيبور، كما و أطباء من الجيش البرجوازي الذين انضموا لصفوف جيش اليونان الديمقراطي، مثل ﭙانايوتيس ﭙتروﭙولوس و ذروسوس سكيلاس و غيرهم.

و كان عدد قليل من الأطباء، و بمساعدة كوادر الصحة وغيرهم، وعلى الرغم من أوجه القصور الرهيبة، وغياب كامل الظروف المناسبة التي يتطلبها إنجاز عملهم، قد سطَّر الملاحم عبر خوض صراعٍ مستمر ضد الموت. حيث تمكنوا من علاج و إنقاذ حياة الآلاف من مقاتلي و مقاتلات جيش اليونان الديمقراطي. و على وجه الحصر في موقع غرامُس و فيتسي، كانوا قد عالجوا ما يقارب 12 ألف مقاتلاً و مقاتلة.

إن ما حققه أطباء و الكوادر الصحية لجيش اليونان الديمقراطي كان نابعاً من إيمانهم بحق نضالهم. وقد ضحى الكثيرون بأنفسهم، لا سيما من صفوف المسعفين.

نصب تذكاري للأممية البروليتارية

تجلّى تألق جيش اليونان الديمقراطي وارتباطه العميق بحاجات و صراع القوى العمالية الشعبية في وصول بحارة ومغتربين ومهاجرين من شتى أنحاء العالم، من قبارصة ومتطوعين آخرين إلى جبال اليونان الحرة، متحملين في كثير من الأحيان عناء قطع مسافات شاسعة ومواجهة مخاطر جمة، لدعم نضاله.

ومن الأمثلة الدالة على ذلك، حالة الشيوعي التركي مهري بيلي (الكابتن كمال)، الذي وصل إلى اليونان عبر صوفيا، وانضم إلى جيش اليونان الديمقراطي، وحاول تجنيد مقاتلين من الأقلية المسلمة حتى أصيب بجروح خطيرة. وبسبب نضاله في صفوف جيش اليونان الديمقراطي ضد السلطة الرأسمالية اليونانية وحلفائها الدوليين، ونشاطه السياسي الأوسع، تعرض للاضطهاد المتكرر من قبل الدولة الرأسمالية التركية. وتُثبت قصته القوة الهائلة والإمكانيات الكبيرة للأممية البروليتارية، فضلاً عن توحُّد الدول الرأسمالية في مواجهة عدوها الطبقي المشترك، على الرغم من واقعة تناقضاتها البينية.

إن التزام الحزب الشيوعي اليوناني بالأممية البروليتارية خلال فترة المواجهات الطبقية الحادة بين الحربين العالميتين، ونضاله من أجل إنصاف الأقليات و حقوقها، صعّب على سلطات الاحتلال الفاشي الثلاثي استغلال اﻷقليات لتقسيم السكان وضرب المقاومة (كما حدث في العديد من البلدان التي احتلتها دول المحور). كما تجلّت الروابط المتينة التي تشكلت خلال فترة ما بين الحربين العالميتين ومقاومة جبهة التحرير الوطني و خلال فترة كفاح نضال جيش اليونان الديمقراطي. فعدا بعض مقاتليه المنتمين إلى الأقلية المسلمة، حارب في صفوف جيش اليونان الديمقراطي عدد كبير من الفلاخ من ثِساليِّا. ومع ذلك، فمن المؤكد أن الدعم الأكبر لجيش اليونان الديمقراطي جاء من السكان الناطقين باللغات السلافية في مقدونيا، والذين جُنّد منهم آلاف مقاتليه و مقاتلاته.

إن نضال جيش اليونان الديمقراطي كان أممياً. وقد أدى الحزب الشيوعي اليوناني واجبه الأممي تجاه الطبقة العاملة والأحزاب الشيوعية الأخرى على أكمل وجه، في الظروف التي عبّر عنها تشرشل في خطابه في فولتون عن "الستار الحديدي" (آذار\مارس 1946)، ومبدأ ترومان وخطة مارشال (آذار\مارس 1947)، وتأسيس حلف شمال الأطلسي (نيسان\أبريل 1949)، مع بذل تضحيات جسيمة و بأسلوب فريد في المجال الأوروبي الرأسمالي.

و يثبت الإسهام الأممي الكبير للحزب الشيوعي اليوناني و جيش اليونان الديمقراطي، أيضاً من واقعة أنه أجبر اثنتين من أعتى القوى الامبريالية، أي بريطانيا العظمى والولايات المتحدة على تركيز انتباههما الفاعل على الحركة الشعبية المسلحة في اليونان، و على تمويل الطبقة البرجوازية المحلية لتقف على قدميها.

و في ذات الوقت عمل جيش اليونان الديمقراطي بمثابة درع للجمهوريات الشعبية في ألبانيا ويوغوسلافيا وبلغاريا ورومانيا في سنوات 1946-1949 الحرجة.

حيث أعربَ الحزب الشيوعي لعموم روسيا (البلاشفة) للاتحاد السوفييتي و غيره من الأحزاب الشيوعية عن تضامنها اﻷممي و إسنادها تجاه الحزب الشيوعي اليوناني، و إن كان ذلك بتدرجات متفاوتة و على الرغم من أوجه الضعف و التضاربات المتواجدة في استراتجياتها. وساعدت بنحو حاسم في ملحمة جيش اليونان الديمقراطي التي استمرت لثلاث أعوام حيث استقبلت هذه الأحزاب واستضافت 25 ألفاً من الأطفال (الذين أنقذوا حرفيا من الجوع والقصف و من "مآوي الأحداث" التي أقامتها الملكة فرذريكي). و ساعدت في مواجهة تبعات التراجع المنتظم لقوى جيش اليونان الديمقراطي بعد معركته اﻷخيرة في غرامُس. و بعد ذلك استقبلت ما يزيد عن 55 ألف لاجئ سياسي، الذين لاقوا في بلدان البناء الاشتراكي، ضيافة دافئة، و عملاً و تعليماً و ثقافة، و أماناً لأنفسهم وللأجيال اللاحقة من اللاجئين السياسيين.

هذا و مهمٌ كان التضامن الأممي مع جيش اليونان الديمقراطي، الذي طورته قوى الحركة العمالية الشعبية و الشيوعية في البلدان الرأسمالية. حيث تمثل أحد العديد من تعابيرها في زيارة الوفد الفرنسي إلى اليونان المحررة إلى مقر القيادة العامة لجيش اليونان الديمقراطي عام 1949، و هو الذي تضمن الشاعر الكبير ﭙول إليوار .

مشاكل استراتيجية الحركة الشيوعية اﻷممية و تأثيرها في مآل الصدام الطبقي المسلَّح

و على الرغم من ذلك، فإن احتدام الصراع الطبقي على المستوى الدولي فوراً بعد الحرب العالمية الثانية، لم يلاقي الحركة الشيوعية الأممية مستعدة أيديولوجياً و سياسياً و تنظيمياً، حيث كان يجري في صفوفها اصطراعٌ شديد، فوق أساس مشاكل الاستراتيجية التي كانت قد تمظهرت سلفاً قبل الحرب العالمية الثانية. و على الرغم من التعزيز الهام للقوى الشيوعية في أوروبا وآسيا، لم يُقيَّم بنحو موضوعي تناسب القوى الدولي الذي ظل سلبياً بنحو إجمالي، و لم تُحدَّد استراتيجية للصراع الطبقي، أكثر نجاعة على المستوى الدولي على أساس طابع العصر.

و كان اﻷمر الأولي هو عدم تقييم الحرب العالمية الثانية كإمبريالية من كلا جانبي الدول الرأسمالية المشاركة، و لم يكن قد أعلن الصراع من أجل الخروج من الحرب عبر الظفر بالسلطة العمالية، باعتباره هدفاً استراتيجياً مشتركاً.  و لم يكن بإمكان اتفاقيات التحالف المبرمة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة وبريطانيا العظمى (ثم فرنسا لاحقاً) بشأن صياغة أنظمة ما بعد الحرب، لا تحقيق "أنسنة" الرأسمالية حتى في الدول الرأسمالية التي تميزت بتطور تكنولوجي، ولا التعايش السلمي بين الاشتراكية والرأسمالية.

حيث صاغ التذبذب بين الاتفاقيات و تعابير "الحرب الباردة" الإطار الذي لم تحافظ فيه الحركة الشيوعية الأممية، و بنحو أولي  الاتحاد السوفييتي والأحزاب الشيوعية في بلدان البناء الاشتراكي، على موقف موحد طوال فترة كفاح جيش اليونان الديمقراطي  بشأن تعميم الصراع المسلح في اليونان. هذا و ارتبط تباين موقف الأحزاب الشيوعية الحاكمة خلال فترة كفاح جيش اليونان الديمقراطي بكيفية تقييمها لنوايا وخطط الدول الرأسمالية الحليفة سابقاً لها في الحرب العالمية الثانية، وخاصة الولايات المتحدة. حيث كان ذلك متعلقاً بتقييم موقف اﻷخيرة تجاه السلطات العمالية والشعبية التي كانت قيد التشكُّل في بلدان البلقان و غيرها في وسط وشرق أوروبا.

حيث رأت هذه اﻷحزاب في المرحلة اﻷولى احتمال وقوع اعتداء إمبريالي على ألبانيا وبلغاريا أو بولندا، وقدَّرت أن التعميم الأولي للكفاح المسلح في اليونان قد يُستخدم ذريعةً لشن اشتباكٍ عالمي جديد، أمرٌ كانت تحاول ردعه. و من ثم، و عندما أعلنت الولايات المتحدة خطة مارشال و عقيدة ترومان، لقيَ تعميم الكفاح المسلح موافقة اﻷحزاب الشيوعية الشقيقة، دون أن تُصاحب هذه الموافقة بالدعم المتناسب و بالمقدار الذي كان الحزب الشيوعي اليوناني يطلبه، مع احتساب الحزب أيضاً للتأثير الناجم عن دعم الدول الرأسمالية للجيش البرجوازي، على مسار الصراع المسلح.

هذا و تعقَّدت التطورات بنحو أكبر بعد أزمة علاقات الكومنفورم (الذي شاركت به الأحزاب الشيوعية لبلدان البناء الاشتراكي وإيطاليا وفرنسا) مع يوغوسلافيا. و من ثم، مع تأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أصطفَّ الاتحاد السوفييتي في صالح إيقاف الكفاح المسلح.

و بنحو أكثر إجمالاً، تواجد كفاح جيش اليونان الديمقراطي في تلك الفترة تحت تأثير أوجه  ضعف و تضاربات استراتيجية الحركة الشيوعية الأممية، التي أثَّرت أيضاً على استراتيجيته. حيث كانت هذه التضاربات تتجلى بنحو أكثر إجمالاً في برنامج الحزب الشيوعي اليوناني، و هو الذي، على الرغم من تصدُّره تنظيم الكفاح الطبقي المسلح، لم يطرح بنحو واضح و ناجزٍ هدفَ سلطة العمال الثورية، بل سعى نحو سلطة انتقالية وسيطة بين الرأسمالية والاشتراكية. لقد كان هذا المضمون السياسي لـ"دولة الشعب" التي أُدرجت باعتبارها الهدف السياسي في برنامج الحزب الشيوعي اليوناني.

إننا بصدد أحد تلاوين الاستراتيجية الإصلاحية للانتقال السلمي نحو الاشتراكية، والتي جُرّبت بنحو متعاقب، لكنها لم تثبت على مدى تاريخ الحركة العمالية والشيوعية الأممية. بل على النقيض، فقد قادت تارة إلى سحق الحركة العمالية - الشعبية والشيوعية، و طوراً إلى احتوائها. ومن نتائج هذه الاستراتيجية كان السعي نحو إبرام اتفاق بين جيش اليونان الديمقراطي والجيش البرجوازي، يُفضي إلى "تطبيع ديمقراطي".

إن هذا لا يعني أن كفاح جيش اليونان الديمقراطي كان "خاسراً سلفاً"، كما تزعم قوى الانتهازية. بل كانت هناك هوامش من أجل تنظيمه بنحو ناجز و تقديم دعم أكثر جوهرية له من الحركة الشيوعية الأممية، هي هوامش لم تُستنفذ بسبب وجود أوجه ضعف في مسائل ذات أهمية استراتيجية. حيث كان التغيير الناجز في استراتيجية الحزب الشيوعي اليوناني، المسجَّل على الأقل في مؤتمره السابع (1945)، قادراً على المضي نحو التنظيم الحاسم والتعميم السريع للكفاح الشعبي المسلح والانتفاضة بالتركيز على المدن الكبرى (أثينا، ثِسالونيكي، باترا، وغيرها) في غضون عام 1946، على الرغم من تباين موقف الحركة الشيوعية الأممية والترددات التي كانت تامظهر داخل الحزب الشيوعي اليوناني.

ففي عام 1946، لم تكن السلطة البرجوازية قد استقرت تماماً، كما واجهت بريطانيا العظمى صعوبات أملت عليها انسحاب قواتها الفوري من اليونان، لا سيما في حال انتشار المواجهة المسلحة على مستوى البلاد. و في الفترة ذاتها،  لم يكن الجيش البرجوازي قد أعاد انتظامه بعد، و كان محتوياً على العديد من القوى المنظمة للحزب الشيوعي اليوناني و جبهة التحرير الوطني، في حين لم تكن قد هُجِّرت بعد القرى التي شكلت لاحقاً قاعدة لجيش اليونان الديمقراطي. و في عام 1946، كان الشيوعيون وغيرهم من مناضلي جبهة التحرير الوطني يسيطرون في جميع النقابات والجمعيات الزراعية والتعاونيات، وفي المنظمات الثقافية والرياضية، وحتى في الرابطة اليونانية لرياضيي و مدربي ألعاب القوى. وفي المراكز الحضرية، بقي العديد من آلاف الشيوعيين المخضرمين ومناضلي جبهة التحرير الوطني أحراراً، و هم الذين سيقعون في الأشهر التالية ضحايا ملاحقات الدولة الرأسمالية.

هذا و كان لِمشكلة العلاقة بين الكفاح المسلح في المراكز الحضرية والريف، والتي تطورت خلال المسار إلى مشكلة احتياطيات لجيش اليونان الديمقراطي، جذور أعمق بكثير، تعودُ إلى التأخير الكبير في تعميم الكفاح المسلح. إلى ذاك يرجعُ أيضاً التمثيل الضئيل للطبقة العاملة في تركيبة جيش اليونان الديمقراطي.

و بكلامٍ آخر، فإن الحزب الشيوعي اليوناني، و على الرغم من إظهاره ردود فعل سريعة تجاه عدوان الخصم الطبقي وعزماً في الصراع معه، فهو لم يتمكن من استخلاص ناجز لاستنتاجات أيديولوجية سياسية أعمق، من مسار حركة جبهة التحرير الوطني خلال فترة الاحتلال الفاشي الثلاثي والصدام الطبقي العظيم في كانون اﻷول\ديسمبر 1944. ولم يتمكن، في أتون الصراع الطبقي، من إحداث انعطافة حاسمة في استراتيجيته، على غرار مثال الحزب البلشفي في روسيا بعد ثورة شباط\فبراير 1917، الذي أرشدَ ثورة أكتوبر الاشتراكية الظافرة بالنصر.

هذا و أثَّرت بنحو سلبي أيضاً على كفاح جيش اليونان الديمقراطي، الرؤية القائلة بأن تصعيد الصراع الطبقي في اليونان يُحتمل أن يكون على حساب الاتحاد السوفييتي و باقي بلدان البناء الاشتراكي. حيث مفهومةٌ كانت إرادة الاتحاد السوفييتي و باقي بلدان البناء الاشتراكي في التعافي من ضريبة الدم الفادحة التي منحتها من أجل هزيمة المحور الفاشي، وإصلاح الدمار، و التئام جراح الحرب، وبالتالي تجنب أي تدخل إمبريالي جديد. و مع ذلك، يجب عدم تنظير أحد جوانِب سياسة الدولة الاشتراكية، مهما بلغت ضرورته، ليتخذ شكل تراجع أيديولوجي، فضلًا عن أن يفتح المجال أمام تراجعات في الصراع الطبقي الأممي. و خلاف ذلك، لا يمكن أن يصبح البناء الاشتراكي أمراً لا رجعة فيه إلا كنتيجة للسيطرة العالمية للطبقة العاملة.

هذا و كان استغلال ظروف الوضع الثوري الذي شكَّلته الحرب العالمية الثانية الإمبريالية من أجل الإطاحة بالسلطة الرأسمالية في اليونان وغيرها من البلدان، مقدمة أساسية لقيام تغيير جذري في تناسب القوى الدولي. كان من شأن هذه الاستراتيجية أن تعزز مكانة الاتحاد السوفييتي و بلدان البناء الاشتراكي الأخرى في مواجهة "الحرب الباردة"، بينما لكانت ستسهم في دعمه الفعال في حال نشوب حرب ساخنة،، و لضَمِنت أيضاً المواجهة العملية للانتهازية في صفوف الحركة الشيوعية الأممية.

هذا و قادت مشاركة الأحزاب الشيوعية في حكومات برجوازية في سلسلة من البلدان (إيطاليا، فرنسا، وغيرها) عند نهاية الحرب العالمية الثانية، موضوعياً إلى نتيجة عكسية، إذ غذّت على المدى البعيد التهتك الأيديولوجي والسياسي وتفكك العديد من الأحزاب الشيوعية. و بالتوازي، أتاحت هذه الاستراتيجية الخاطئة نفسها، على الفور إمكانية إعادة بناء القوى الرأسمالية التي هزتها الحرب في المراكز الاقتصادية الرأسمالية الحرجة، مما جعل الضغوط خانقة على الاتحاد السوفييتي و باقي بلدان البناء الاشتراكي.

ضمن هذا اﻹطار، غلبت في الحزب الشيوعي اليوناني في البداية، رؤية مفادها أن الكفاح المسلح يخدم بنحو رئيسي ممارسة ضغط حاسم من أجل مواجهة الطبقة البرجوازية وأحزابها، و التصدي لِمحاولات سحق حركة جبهة التحرير الوطني والحزب الشيوعي اليوناني، وضمان شروط عملية الدمقرطة و التصدي للمخططات الإمبريالية الساعية نحو لاستخدام اليونان كرأس جسر إقليمي ضد الاشتراكية. حيث كانت هذه السياسة متوافقة أيضاً مع رأي الحركة الشيوعية الأممية.

و بالتوازي، عن صواب لم يتبع الحزب الشيوعي اليوناني، نصيحة الحزب الشيوعي لعموم روسيا (البلاشفة)  للاتحاد السوفييتي والأحزاب الشقيقة الأخرى التي أيدت ضرورة مشاركته في انتخابات آذار\مارس 1946. حيث يُظهر هذا الخيار، إلى جانب وقائع أخرى، أن قيادة الحزب كانت تقدر بنحو مختلف تناسب القوى في البلقان، وكانت تؤيد تعميم الكفاح المسلح منذ بداية عام 1946، لكنها اعتبرت تعميمه تابعاً لِموافقة الحركة الشيوعية الأممية ودعمها الحربي.

لاحقاً، و مع رؤيتها أن الكفاح المسلح لا يمكن أن يبقى وسيلة ثانوية للضغط من أجل "تطورات ديمقراطية سلسة"، حاولت قيادة الحزب الشيوعي اليوناني تسريع وتيرة تعميم الكفاح المسلح. إلا أن خطوات التصحيح والتحسين نُفذت ببطء مقارنةً بمتطلبات الصراع الطبقي المسلح، في حين لم تكن قرارات قيادة الحزب كافية لسد الثغرات الخطيرة في الإعداد الاستراتيجي الأيديولوجي والسياسي والتنظيمي. و على هذا النحو، كان الوقت يمضي على حساب المواجهة النهائية، و نجاعة جيش اليونان الديمقراطي.

ومن دروس الصراع الطبقي على الصعيد العالمي هو أن عند تجلي الصراع الطبقي بنحو مسلَّح حول مسألة السلطة، فإن خوض المواجهة الحاسمة حتى تحقيق النصر النهائي على الخصم هو أمر لا مناص منه.

الاصطراع المعاصر بشأن جيش اليونان الديمقراطي ودروس الاستراتيجية الثورية

تقوم الطبقة البرجوازية على مر الزمن مع رفاق دربها بالتشهير بكفاح جيش اليونان الديمقراطي و تشويهه، لأنهم يعرفون جيدا بأنه كان يمثل أرفع صيغ الصراع، ضمن فترة كان يخاض موضوعياً، ضمنها الصراع الطبقي حول "من سيقضي على الآخر"، أي حول السلطة. إنهم يحاربون جيش اليونان الديمقراطي، لأن لهم كل مصلحة في إخفاء حقيقة مصدر كل الظلم عن أعين الشعب، و هو المتمثل في التناقض بين رأس المال و العمل المأجور. حيث لديهم كل المصلحة في إعاقة القوى العمالية الشعبية من أن تَعي ضرورة الاشتراكية و راهنيتها.

هذا و يسري مفعول ذلك بنحو مضاعف اليوم، حيث بإمكان المزاحمات الإمبريالية والمواجهات الحربية والأزمة الاقتصادية الرأسمالية المحتملة، وما يترتب عليها من آثار على معيشة القوى العمالية الشعبية، أن تقود نحو احتدام حاد للصراع الطبقي، وإلى تجذير جماهيري للقوى العمالية الشعبية، و خلق مقدمات زعزعة استقرار السلطة الرأسمالية، بل وحتى لصياغة ظروف حالة ثورية أو حتى انتفاضة للإطاحة بالسلطة الرأسمالية. و يسري مفعول ذلك بنحو مضاعف لأن الطبقة العاملة والشعوب تُدعى اليوم إلى النزيف على مذبح الاستغلال الطبقي واقتصاد الحرب، قبل أن تُدعى إلى التضحية بنفسها في مسالخ إمبريالية جديدة.

و يعاد الآن إنتاج أقاويل عقود سالفة ﻛ"التهم القائلة بأن جبهة التحرير الوطني تقاد من قبل عملاء أجانب بلغاريين" و عن "العصابات الشيوعية" كما هي أو بعد "غربلتها" من جانب العديد من القوى السياسية اليمينية المتطرفة و الفاشية، و التي تشكِّلُ جزءاً لا يتجزأ من النظام الرأسمالي العفِن، و هي المرتبطة بالدولة الرأسمالية و التحالفات اﻹمبريالية بآليات معقدة و طويلة العمر. و تُجترُّ هذه اﻷقاويل مع جانب جميع أولئك الذين يقتدون علناً أو على الخفاء بكتائب الأمن العميلة للإحتلال و بأعوان المحتلين و ممارساتهم و هجماتهم الإجرامية ضد الشعب و مناضليه. هذا و ستغدو باطراد قوى كهذه أكثر فائدة للسلطة الرأسمالية، بمقدار تطلُّب الاستعداد للحرب تجنيد قوى العمال والشعب تحت الراية الأجنبية لمستغليهم والدولة الرأسمالية، و بمقدار تقديم قمع العدو الطبقي الداخلي باعتباره شرطاً مسبقاً لمواجهة حربية منتصرة.

يُثبت تاريخ القرن العشرين والممارسات الحالية للدول الرأسمالية والتحالفات الإمبريالية أن القوى الفاشية هي لحمٌ من لحم النظام السياسي البرجوازي، حيث تعكس واجهتها الوحشية السلطة الرأسمالية العجوز والعفنة التي لم تعد تملك ما تقدمه للبشرية. ويتجلى ذلك في حرص الاتحاد الأوروبي على الترويج لمجرمي الحرب العالمية الثانية النازيين كأبطال، بينما تُحظر في الوقت نفسه الرموز والأنشطة الشيوعية في دوله الأعضاء. ويتجلى الأمر نفسه في تجميلِ ودعم الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي لِمجرمي النازية الجديدة لكتيبة آزوف وغيرها من المنظمات المماثلة في أوكرانيا وغيرها من البلدان، في إطار المواجهة الأشمل القائمة بين المحور الإمبريالي الأوروأطلسي والمحور الأوراسي الناشئ.

و يتضح يومياً أن البدعة البرجوازية الزاعمة بوجود "نظامين شموليين"، و المُساواة بين الفاشية والشيوعية، وبين الجناة والضحايا باسم تمجيد الديمقراطية البرجوازية، تُشكل مقدمة كفاح طبقي ذي جبهة واحدة يستهدف القوى العمالية - الشعبية، ونضالاتها، وطليعتها، أي الشيوعيين. إن "مراجعي" التاريخ، الذين يُعيدون إنتاج السياسة الرسمية للاتحاد الأوروبي، ونظرية الطرفين، و يُساوون بين هتلر و ستالين، الذي قاد الكفاح العملاق للشعب السوفييتي من أجل سحق الفاشية، لا يستلون سيوفهم في ميدان التاريخ. بل يسعون إلى ضرب الصراع الطبقي اليوم، من أجل ضمان تمرير استراتيجية رأس المال دون مخاطر على السلطة الرأسمالية مع تأبيد استغلال الإنسان للإنسان، سواء في زمن السلام الإمبريالي أو في زمن الحرب الإمبريالية.

و ينكشف بنحو يومي أن التذرع بالديمقراطية البرجوازية والقانون الدولي ليس إلا ستاراً للاستغلال الطبقي في الداخل، و لِمصالح الدول الرأسمالية والتحالفات الإمبريالية في العلاقات الدولية. و على أي حال، ما من أية مشكلة لدى السلطة الرأسمالية في التعبير عن نفسها بصيغ سياسية أخرى تقابلُ مصالحها كل مرة، بينما لا يجد من يُسمّون أنفسهم حماة الديمقراطية الليبرالية غضاضة في قبول تحالف دول الناتو والاتحاد الأوروبي مع دول رأسمالية غير برلمانية (السعودية وسوريا وغيرها) أو دول رأسمالية ذات حكومات أقلية (كفرنسا). وفي الوقت نفسه، فهم يقومون باسم الديمقراطية ومكافحة الإرهاب بدعم جرائم دولة إسرائيل و تبرير احتلالها لفلسطين وإبادة الشعب الفلسطيني البطل.

هذا و يهدفُ إلى نزع سلاح الحركة العمالية والشعبية المعاصر، كلٌّ من  العداء المنمَّق للشيوعية، و أدبيات الأخطاء، الزاعمة بأن كفاح جيش اليونان الديمقراطي كان عبثياً، كما و البدعة القائلة بأن اختيار الكفاح المسلح كان مغامرة من قبل قيادة الحزب الشيوعي وشخصيا من قبل الأمين العام للجنته المركزية، نيكوس زاخارياذيس. إن كل هذه هي عناصر مكونة للدعاية البرجوازية، التي يجري إعادة إنتاجها من قبل الانتهازية عبر مختلف تلاوينها، تجاه أسباب هزيمة جيش اليونان الديمقراطي، كما و تجاه نشاط الحزب الشيوعي اليوناني.

إن الانتهازية تتستر على عنف الدولة البرجوازية، التي تتمظهر عبر التشريعات و مؤسسات السلطة وأجهزتها. تتستر على العنف المتعدد الأشكال، المُمارس في مواقع العمل من قبل الرأسماليين ضد العمال والعاملات و العاملين بأجر. وتغذي الانهزامية عبر إبراز البحث عن حلول فورية عبر التوكيل السياسي ضمن حدود الإدارة البرجوازية، و غياب الثقة في قوى وقدرات الفاعل العمالي الشعبي ذاته.

و بمعزل عن اختلافات تمظهر تلاوين معارضة كفاح جيش اليونان الديمقراطي، و التشهير به و تشويهه، فإن هذه الاستراتيجية هي موحدة: الإبقاء على الطبقة العاملة والشرائح الشعبية عاجزة أمام عواقب التناقضات، وتفسخ و همجية الرأسمالية، من أجل تضليل صراعها نحو تفتيشٍ عبثي عن منفذ ضمن متاهة "إصلاح الرأسمالية".

إن التجربة المستخلصة من تاريخ الحركة العمالية الشعبية، تُعلِّمنا استحالة وجود حكومة مؤيدة للشعب، أيا كان اسمها، و أياً يكن الحزب المشارك بها، ما دامت السلطة السياسية و وسائل الإنتاج وكل الثروة التي تنتجها الطبقة العاملة، متواجدة في أيدي الرأسماليين، و ما دامت اليونان تشارك في اتحادات إمبريالية، في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، أو في أي اتحاد من هذا القبيل.

بإمكان كل عامل وعاملة يبدئان حياتهما ضمن الغابة التي يسيطر فيها ظلم المُستغِل، أن يدركا و بإسهام من النشاط الأيديولوجي السياسي للحزب الشيوعي اليوناني، سبب وهدف هذه الهجمة الأيديولوجية التي يشنها المدافعون المباشرون و غير المباشرون عن الاستغلال الرأسمالي، و لهما كل المصلحة في ذلك. لذا، فبغير استطاعة أي هجمة تشهيرية أو معادية للشيوعية أو انتهازية أن تَطغى على نضال الحزب الشيوعي اليوناني، ونضال جيش اليونان الديمقراطي، و بسالته و أخلاقه.

من واجبنا نشر الحقيقة التاريخية على نطاقٍ أوسع بين الطبقة العاملة والشرائح الشعبية، لكي تتعرف الأجيال الشابة على نضال جيش اليونان الديمقراطي، وتستخلص الخبرة من كفاحه البطولي، لما فيها من فائدةٍ خاصة في المواجهات الطبقية المستقبلية. لا سيما اليوم، حيث تسعى الدعاية البرجوازية والمراجع بكافة الوسائل لتشويه كفاح جيش اليونان الديمقراطي، حيث تستغل الطبقة البرجوازية مؤرخين مضطلعين بأدوار ضمن تعاون وثيق لها مع الانتهازية، بغرض إعادة النظر في تاريخ الحرب العالمية الثانية و جيش اليونان الديمقراطي، بهدف ترسيخ الحجة الرئيسية للأيديولوجيا البرجوازية السائدة، ألا وهي استحالة قيام ثورة اشتراكية.

إن جيش اليونان الديمقراطي يعني كفاح صدام مع الدولة الرأسمالية، أيضاً بمعزل عن احتمالات انتصاره. لقد كان نضال جيش اليونان الديمقراطي بطولياً وترك إرثاً تاريخياً، رغم الهزيمة الثقيلة، و ذلك بالضبط لأنها كانت هزيمة وقعت في مواجهة مباشرة مع الخصم الطبقي، في حين كانت إمكانياتُ انتصاره قد تقلصت نظراً لمشاكل استراتيجية الحزب الشيوعي اليوناني، باعتباره جزءاً من الحركة الشيوعية الأممية.

لقد صاغ الحزب استراتيجية ثورية عصرية من خلال برنامجه. هذا و يُحكمُ على قدرة الحزب و جهوزيته للصدام مع الخصم الطبقي في ظروف تصاعد الصراع الطبقي، و بنحو أكثر في ظروف الوضع الثوري، من مدى استعداده في الظروف الراهنة لتناسب القوى السلبي.

و بعد ثمانين عاما على ذلك، يسعى النظام السياسي البرجوازي لإعادة صياغة نفسه، من أجل إعاقة عملية تجذير الشعب، و تنفيس سخطه الناجم عن الحرب الجارية ضد حاجاته و مكاسبه، هي الحرب التي تشنها الطبقة الرأسمالية و سلطتها، والاتحاد الأوروبي و الحكومات اليونانية البرجوازية على مر الزمن، مع الحرب الامبريالية التي يعدون لها.

إن الحزب الشيوعي اليوناني، كحزب ذي خبرة و مستخلص للعبر من تاريخه الممتد لما يزيد عن مئة عام، يستمد الإلهام والنماذج من عظمة نضال جيش اليونان الديمقراطي اليوناني. وهو على قناعة عميقة بأن النضالات الطبقية ستدفع التاريخ مرة أخرى نحو اﻷمام وأن القوى العمالية والشعبية ستطيح بالسلطة الرأسمالية، وأن القرن الذي نعيشه سيشهد ثورات اشتراكية جديدة ناجحة. و هو يطمح و قادرٌ على أن يغدو منارة للمواجهة الطبقية الجديدة المكللة بالنصر، من أجل الاشتراكية التي هي ضرورة راهنية و واقعية.